...الإستعمار،الصهيونية العالمية،الإتفاقيات الظالمة،المؤامرات الدولية ،
الخيانات ، الفتن الداخلية ،التفريط ، حسن النوايا (الهَبَل)...وغيرها
وغيرها..صُهِرت كلها في بوتقة واحدة..أو خُضَّت في قِربَة واحدة..فكانت زبدتها
ضياع أحلى بقاع الأرض وأغلاها على القلوب..إنها "فلسطين"..الحبيبة..فلسطين
الشموخ..فلسطين التاريخ..فلسطين الخير،والعز والنماء ،والعطاء..فلسطين الأجداد
والآباء..الذين شادوا وعمروا واعلوا البنيان..وزرعوا وغرسوا..حتى أصبح الإنسان
يمشي من رأس الناقورة شمالا وحتى رفح جنوباً،لا تطاله أشعة الشمس،ولا تغيب الخضرة
عن ناظريه.
..وبِجَرَّة قلم..وإذا شعبنا الفلسطيني نهب للضياع والتشرد في بلاد الله،تشيله
ارض وتحطه أخرى،وتؤويه مغارة،وتظلله خيمة جادت بها عليه أمم الأرض،وإذا به وبعد
ان كان سيد ارضه،وبعد ان كانت يداه تجود على الدنيا بإنتاج بساتينه وبياراته،إذا
به يحمل الكيس على ظهره وكتفيه،ويصطف لساعات طوال في طوابير طويلة،ينتظر ان تجود
عليه الأمم من خلال وكالة غوث اللاجئين،بقليل من الطحين والأرز والفاصولياء
والسكر،وعلبة تونا ،وقليل من زيت "الكيكوز"الذي لا تعرف مصادره،والذي ما إن كانت
الطبخة تنزل عن النار حت تراه قد تجمّد على السطح،وكأنه قطعة جليد،ولا أبالغ أنه
قد تسبب في كثير من المشاكل البصرية للآلاف من الناس..
كان ذلك عام 1948..والذي سموه
عام النكبة،حيث ضحكوا علينا وقالوالنا أنها كلها أكم يوم أو أكم شهر وستعودون الى
دوركم وبيوتكم وبياراتكم،وها قد مضت الأيام والشهور ،وحتى الأعوام،وبدلا من
العودة تلاحقت الهزائم والنكبات،وحلّـهزيمة نكراء أخرى، أتت على البقية الباقية
من وطننا الحبيب،فإذا به يقع لقمة سائغة في فم الصهيونية الحاقدة عام 1967 ،والذي
ابتدعوا له إسما آخر ،ألا وهو "عام النكسة"!!!والله نسأل أن يجيرنا من أعوام
قادمة،يخبئها لنا القدر،وتتآمر علينا فيه كل الدنيا،ولكن الأمل بالله كبير،ومن
ثمَّ بأهلنا الصامدين القابضين على الجمر،وشبابنا المتطلع الى الحرية،والذي قدّم
ـــــ وما يزال يقدم ــــ قوافل
الشهداء،في سبيل ثرى فلسطين الغالي،ولا بد ــــ إن شاء الله ـــــ سيكتب لنا
النصر،وتحرر الأرض الغالية من يراثن الصهاينة،وشذاذ الآفاق، وترفرف راية النصر
على قباب المسجد الأقصى،أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ،فالله أوعدنا
بالغلبة على الأعداء، وإنه على نصرنا لقدير"والله لا يُخلِفُ وعده"..وما النصر
إلا من عند الله..
أسوق هذه المقدمة
البسيطة،توطئة لموضوع هام ،دعاني للكتابة عنه أحد الشباب الأحبة منذ فترة،وهو
الحبيب/إبراهيم الصيراوي ،الذي طلب إلي أن أكتب عن المرحوم/ محمود العايد "أبوخالد"
رحمه الله،وجعل مثواه الجنة..وقد اخترت هذا العنوان"الضيوف / الأهل" لأكتب عن
أولئك الأخوة الكرام، الذين ساقتهم الأقدار،وجاءت بهم رياح النكبة،ليستقروا في
قريتنا الحبيبة "صير" فإذا بهم يتحولون من "ضيوف إلى أهل"..وكانوا نعم
الناس،اختلطوا بأهلنا،وقاسمونا لقمة العيش ،وكانوا لنا الأهل والسند
والعشيرة،وكان بيننا وبينهم إصهار ونسب..وقد وفد الى القرية عدد من العائلات أذكر
منهم :
* عائلة
المرحوم/ خميس أبو صالح من /يازور
* أبو علي الخطاطري /وادي الحوارث
* أبو حسني / وادي الحوارث
* أبو محمود الحارثي/وادي الحوارث
*
المرحوم/عبداللطيف أبو أستيتة(أبوشكري) وإبنه الكبير من زوجته الأولى ــ
شكري ،وكذلك زوجته "أم جمال"وأولادها / الشيخ مونّس..
*محمود
العايد "أبوخالد" /عرب البصّة ـــ
فلسطين الوسطى ــ . *
المرحوم/أبو علي النجيب /مسكة " والد الحاجة فاطمة "أم جهاد" زوجة
المرحوم/علي الهنطش.
*المرحوم
/ أبوفتحي ــ شيخ المسجد سابقا / مسكة.
*المرحوم/ نمر العابد"أبوجميل"/الشيخ مونّس ،وهو
زوج شقيقتي المرحومة/خضرة محمود الحسين"أم جميل"..ولم يطل بهم البقاء في البلد
حيث ارتحلوا للسكنى في "قلقيلية"،ومن ثم ارتحلوا بعد النكسة الى شرقي الأردن.
** هؤلاء..حلوا علينا ضيوفا،ولكنهم كنا اسلفت،اختلطوا
باهل القرية،وتصاهروا معهم،وأصبحوا أهلا بعد ان كانوا ضيوفا،وكان لهم والله بصمات
في تاريخ قريتنا،
وتركوا إرثا نفاخر به نحن قبلهم..وأسأل الله
ــ وأنا سأكتب عنهم ــ ان يقدرني على ذلك ،لأوفيهم حقهم،ولأبين بعذ تلك
البصمات التي تركوها،وأرجو أن لا يساء الفهم إذا ما بدأت كتابتي عن المرحوم/
محمود العايد"أبوخالد،وذلك بطلب من الأخ الكريم،والإبن الحبيب/إبراهيم الصيراوي
،حفظه الله وجميع الأهل إن شاء الله،وإنني أتوجه إلى كل الإخوة الأحباء أن
يساعدوني في ذلك،لأنها أمانة في أعناقنا،فإن كانت هناك معلومات لم آت على ذكرها
فليزودوننا بها،لأنني تركت القرية عام 1958 وهم كانوا ما يزالون فيها،والذي
سأدونه هو ما كان قبل ذلك التاريخ،أو ما سمعته مشافهة من الأهل عنهم بعد
ذلك..وفقنا الله وإياكم لكل ما فيه الخير والسداد..
** المرحوم/ محمود العايد ـــ
أبوخالد..
.. وفد المرحوم/محمود العايد "أبو خالد" الى القرية من منطقة "البصّة" في منطقة
فلسطين الوسطى،والتي كانت تضم منطقة "المثلّث" ،التي هي من أجود الأراضي الزراعية
في العالم،وكانت تضم عددا كبيرا من القرى والمدن( منها على سبيل المثال:قلقيلية /جلجولية
/الطيرة /الطيبة / كفر قاسم /بيارعدس / كفرسابا... وغيرها الكثير)وكانت تشتهر
ببياراتها وبساتينها ومروجها الخضراء،والسهول الواسعة التي كانت تزرع بالقمح
والشعير والذرة البيضاء( انقطعت هذه الأيام وبطّلوا الناس يزرعوها،وهي التي كنا
نعمل من طحينها ما يسمّى "الكراديش" وتكون سادة مرة،ومرة مع زنابيط البصل
!!)وسامحوني إذا وجدتموني أشذُّ قليلا وأخرج عن الموضوع،فعلى ذكر الذرة
البيضاء،أقول لكم وبدون مبالغة،انها ىكانت تتطاول في شموخ وعنفوان،وكانت أحيانا
قد لا يبان الخيال على فرسه لو سار خلالها،وكما كان يقول الأهل(بيتوارى فيها
الخيّال دلالة على استطالة سيقانها)وكان من أشهر تلك المروج ،سهل واسع لعائلة من
دار الجيايسي من قرية/ كور/ القريبة من "طولكرم"وكان لهم بيارة برتقال غربي خط
سكة القطار(أيام ما كان في قطار وكانت فلسطين !!) وغربي "جلجولية" مباشرة،وكان
الأهل وآخرون من اهل القرى المجاورة "يعزِّبون" في الحلال بجوار تلك البيارة أيام
الصيف،عندما ينزلون بحلالهم الى سهول فلسطين بسبب توفر المراعي،وكانوا يسقون
الحلال من البيارة مقابل الحصول على السماد الذي تخلفه قطعان الحلال،وكان منهم
واحدا إسمه"شكيب"وكان فارسا وخيّالامعدودا،علما ان إحدى يديه كانت مقطوعة،وكان له
قطعة أرض كبيرة كانوا يسمونها"المارس"وقد زرعها في إحدى السنوات بالذرة
البيضاء،ولا استطيع ان اصف لكم ثمار تلك
الذرة،فنحن نسميها"عرنوسا" ولكن تلك العرانيس كانت احيانا كبيرة
وثقيلة،ولا تستطيع نبتة الذرة حملها،فكنا نراها وقد انحنت الى الأسفل ،عاملة شكل
حرف "U
" وكنا نسميها "عَقَلَة " أو "عرنوس
" وهذه ايضا لها ذكريات،فقد كنا نستخدمها لصيد العصافير،حيث كان يتم إحضار عدد
كبير من شعر الخيل(من الذنّب) ويربط
أحد طرفي الشعرة بالعرنوس،والطرف الثاني يعمل على شكل"زُردَة" ونبقيها
مفتوحة، وطبعا على العرنوس يكون هناك عدد كبير من الزردات،ونضعها قريبا من أكوام
الحطب ،الذي كنا نسميها"حوابين جمع حابون" وبالطبع كانت العصافير وخاصة "الدويريات"
تحط عليها،ولما نرى ان عدد العصافير عليها اصبح كبيرا،كنا نطيّرها عنها،وكانت
أرجل بعض العصافير تعلق في الشباك "الزردات" ومن ثمّ نقوم بإمساكها حيّة،وبعدين
نعمل اللازم(طبعا الذبح ومن ثمّ الشوي او عمل قلاّية بندورة مرتبة!!"..
قلنا ان المرحوم/شكيب الجيوسي
قد زرع مارسه ذات عام بالذرة
البيضاء،وكان الأهل فعلا ينزلون (معزبين) بجانب بيارة اهل كور ــ وكنت شاهدا على
كل هذه
الوقائع ــ وعندما حان موعد
قطاف الذرة،لم يرد السيد/شكيب استئجار عمال لهذا العمل،وأراد أن يوفر على نفسه ما
يترتب على ذلك من نفقات،فاتفق مع أصحاب الحلال على ان يقوموا هم ورعات حلالهم
بعملية القطاف،على ان يسمح لأغنامهم بالرعي فيها بعد قطافها،وقد وافق الأهل على
ذلك،وهبوا في اليوم المتفق عليه للقيام بالمهمة،وبحسب ما أفاد به بعض من قام
بالعمل يقول:
لقد توجهنا بأغنامنا الى المارس
المذكور،وتسلمنا المناجل(جمع منجل) التي سنقطف بها الذرة،وكان هناك عدد من
العاملات،تحمل كل منهن على رأسها وعاء فارغا،وتسير بين اثنين من قاطفي الذرة،حيث
يقوم كل منهما بوضع الكمية التي يقطفها في الوعاء،وعندما يمتلىء تقوم بنقله الى
مكان تجميع المحصول،ويضيف راوي الخبر:وقد كان الواحد منا(من أصحاب الأغنام)يقطف 4
ــ 5 عرانيس ويضعها في الوعاء ( السلّة أو القُفّة) على رأس البنت،ومن حين الى
آخر كان يدوس بقدمه على أسفل عدد
من نبتات الذرة ،ويلقيها على الأرض هي والعرانيس(بدون ان يقطفها)وكانت الأغنام من
خلفنا ترعى،حيث كانت تأكل حب الذرة،ولا تلتفت الى الورق الأخضر المنعنع( يا
محلاها وهي دابّة أكل في الورق ومدشْرة الحب الأبيض الملعلع !!) وكان هذا بالطبع
يعطي منتوجا ممتازا من الحليب لأصحاب الحلال..
..نعم ، لقد وفد الينا
المرحوم/ابو خالد من هناك،مع عائلته(زوجته وأظن أيامها كان معهم ابنتهم الكبيرة
/صفاء،وكانوا ينادونها/صفا ،ولا أذكر إذا كان خالد ابنهم البكر مولودا في ذلك
الوقت ام لا) وطبعا الوفادة كانت خلال نكبة عام 1948 المشؤومة، وللعلم فقد كان
هناك أخ أكبر للمرحوم/ ابو خالد ،وهو أخوه المسمى/أحمد،والذي حطّ رحاله آنذاك في
قرية/كفرعبوش.
..نزل المرحوم ضيفا على أهل
القرية، وبقي فترة قصيرة معزّزا مكرّما منهم،وغن لم تخني الذاكرة، فقد كان نزوله
في بيت العقد الذي كان يخص المرحوم الخال/ صالح الزعرور الملاصق لسقيفة الضيوف
القديمة عند الصبرات شرقي القرية،ولما شاف ان الإقامة ستطول، تحدّث بالأمر مع
الخال/ابو حسني رحمه الله،فسمح له أن يبني منزلا صغيرا على جزء من البيدر الذي
كان يملكه الخال جنوبي بيت العقد،والبيدر المذكور كان عبارة عن جزئين،أحدهما كان
مملوكا للخال ابو حسني،وهو الجزء الشرقي،والآخر وهو الجزء الغربي والذي كان
مملوكا لدار المرحوم الخال/حسين الزعرور(أبو محمد)والذي أقيمت عليه دار المرحوم/عبدالفتاح
الحسين(أبوحسن)زوج الخالة/ فاطمة محمود الصالح(أم حسن)وهي الدار القديمة،والبيدر
تحت دار العم/مسعود الحسين(أبوفخري) رحمه الله،وكانت حصة الخال/صالح مرتفعة قليلا
عن حصة دار ابو محمد.
بنى المرحوم/ابو خال
البيت(سقيفة ومطبخ وحمّام صغير مع حوش صغير أيضا،وللتاريخ أسجّل أن الخال /ابو
حسني رحمه الله ،لم يتقاض أي ثمن لقطعة الأرض المذكورة،وإنما كانت من مجّانا
وبدون اي مقابل،واستقر الحال بتلك الأسرة الكريمة،ولا أخفي انهم في البداية كانوا
متحفظين،وقليلي الإختلاط مع أهل القرية إلا فيما ندر،وأصبحت الأخت/أم خالد تمارس
حياتها الطبيعية المستقلة،وكما هو متبع في القرية،وكان المرحوم(وهذه شهادة
للتاريخ ايضا)رجلا فاضلا،وعلى درجة كبيرة من الخلق،واحترام الذات،واحترام اهل
القرية جميعا،وكان بطبيعة الحال قليل الاختلاط بالناس في البداية،ويحب
العزلة،والانفراد بنفسه،وقد اكتسب ثقة ومحبة الناس جميعا،حتى الأطفال الصغار،ولم
يحدث وأن اشتكى أي انسان من الأهل من أي من أفراد هذه الأسرة،أو تحدث عنهم إلاّ
بكل خير وبالخير،حتى لقد قيل أن المرحوم كان إذا صدف وسار في أحد طرق القرية،فقد
كان يسيرمتلثما بالكوفية،ورأسه إلى الأرض،وكان الأهل يقولون: والله ما حدى شافه
يتطلع إلى امرأة أو بنت إذا التقى بها في الطريق،وهذا بطبيعة الحال وكما قلنا،يدل
دلالة كبيرة على مكارم الآخلاق التي كان يتمتع ويتحلى بها،رحمه الله.
وتمضي الأيام،وقليلا قليلا
تتوطد عرى المحبة والأخوة بين هذه العائلة الكريمة ،وبين الأهل والجيران،إلى أن
وصلت في نهاي المطاف،وعلى مر السنين متنةجدا،وأصبحت الأسرة بعد وصول مواليد جدد
للأسرة،والذين كبروا وترعرعوا ،وأصبحوا زملاء لأبناء القرية على مقاعد الدراسة في
القرى المجاورة(جيوس/ عزون)،وامتدت الإقامة لسنوات،إلى ان ارتحلوا وأظن أن ذلك
كان بعد النكسة عام 1967،حيث استقر بهم المقام في مخيّم البقعة في الأردن ــ وما
يزالون ـ حتى تاريخه(طبعا المقيمون الحاليون هم جزء من الأسرة،ومنهم /أم خالد،
وبعض الأبناء،لأن / أبو خالد قد انتقل الى رحمة الله،وبعض الأبناء والبنات
قد تزوجوا،وتشعبت بهم السبل،وأظن أن الإبنة /صفاء تقيم ايضا في نفس المخيم قريبة
من والدتها،وقد شاءت الظروف ان التقي بهم ،وأن أزورهم بصحبة الأخ/عمر علوان(أبوعلاء)
الذي هو على صلة مستمرة بهم،والتقيت بهم مرة أخرى في بيت أحد الأقارب،وكان ذلك
بعد عام 2003،وبعد عودتي من دولة الإمارات، واستقراري في عمان.
قضى المرحوم في القرية فترة من الزمن ،كانت تحركاته وروحاته وجيّاته شبه سرية
،ويلفها بعض الغموض، ثم بدأت الصورة تتضح شيئا فشيئا عندما أصبح يحضر الى القرية
بعض رجال البوليس ( الفرسان) يسالون عنه ،وكانوا بالطبع ينزلون في دار
المختار،المرحوم الخال/صالح الزعرور،وفي بعض الأحيان كانوا يتوجهون مع المختار
الى منزل "أبوخالد" ويسألون عنه زوجته،وكثيرا ما كانوا يحضرون له بلاغات من
المتصرف في نابلس،يطلب اليه مراجعة الجهات المعنية هناك،ولكنه لم يكن يلبي تلك
الدعوات أو الإستدعاءات،يعني كان يتهرب من تلك المقابلات،مما اوضح للناس انه كان
مطاردا من قبل السلطات لإسرائيلية،ومطلوب القبض عليه من القوات الأردنية،وانكشف
المستور،وتبين ان المرحوم كان يقوم بعمليات اقتحام لمزارع الأبقار والخيول
اليهودية القريبة من خط الهدنة،وأكثرها كان قريبا من منطقة "قلقيلية" و"كفرسابا"
و "ملبّس" و "مستعمرة كفار عمان" التي تقع شمال مدينة قلقيلية،وكان ينزل على تلك
المستعمرات والمزارع،هو ومعه عدد من الشباب ،وكان يرافقه في اغلب الأحيان
أخوه/أحمد الذي قلنا انه كان يسكن في قرية /كفر عبوش القريبة من قريتنا،وبالطبع
كانت العمليات تتم بعد دراسة للمنطقة التي ينوون النزول اليها،وكانوا يخططون لذلك
جيدا ،وبكل إحكام وسريّة،وقد كان يشاهد كثيرا وهو يصعد الى راس القرنة،أو الى ظهر
الخربة،او إلى رأس القندبل،وأماكن أخرى غيرها،ولكنه كان يقوم بذلك بحذر
شديد،وبدون ان يترك ما يدل على ما في نيته،ولا على ما يدور في خلده،وكانت تلك
المشاوير كلها تتم من اجل الإعداد والدراسة الجيدة للعملية القادمة،وكثيرا ما كان
كذلك يتغيّب عن القرية،ولكن لم يكن يحسّ بغيابه أحد،لأننا قلنا انه كان قليل
التحرك او الظهور في القرية ــ أو مخالطة الناس إلا فيما ندرــ وبعدين عرفنا ان
هذا كان أسلوبه في التغطية والتمويه،وكثيرا ما كان الفرسان يحضرون الى القرية
لملاحقته واعتقاله بناء ــ ربما ــ على إخباريات من بعض الناس،ولكن الأطفال كانوا
مجرد ان يروا الفرسان ــ حتى لو كانوا جايين لموضوع آخر ــ كانوا يذهبون مسرعين
ليخبروه او يقولوا لأم خالد: خللي أبو خالد يهرب،ها هم الفرسان جايين علشان
يمسكوه!!وقد كان ذلك بسبب محبة الناس له ــ رحمه الله ــ حتى الأطفال، وطبعا إذا
لم يكن هناك فهذا هو المطلوب،وإن كان متواجدا فإنه كا يغادر الدار مسرعا وهو يحمل
مسدسه معه ،حتى يدافع به عن نفسه لو لحقوا به او تعرض الى كمين، وقد حدث ذات يوم
ان كان في البيت فعلا،وداهم الفرسان المنزل وهو في الداخل ،ولكنه قفز من البيت
إلى دار الخال صالح الزعرور(بيت العقد القريب منه) ومن ثم الى الزقاق من باب دار
المرحوم /ابو هنطش،ودار المرحومين/ عبدالله الزعرور وأبو نايف،وعلى باب دار
المرحوم/احمد العبد حسن"أبو الراتب" ونط على الجناين اللي خلف دار المرحوم/ أبو
ربحي،وعلى بيدر الشامي،ومن ثم على ظهر الخربة ،وكمن في احد الأماكن بحيث لم
يستطيعوا العثور عليه.لقد
كان المرحوم/ محمود العايد(أبوخالد) طويل القامة،نحيف البنية،ولكنه كان كما
أسلفنا على درجة عالية من الأخلاق،وكرم النفس،وكان شجاعا مقداما،وقد انعكس حبه
لوطنه "فلسطين"على سلوكياته في الحياة، حيث استوطن قلبه ونفسه حقد كبير على
اليهود والصهيونية،وعلى كل من يساند تلك الدولة الظالمة،وحثالات البشر الذين
أنشؤوها،والذين تسببوا بتشريد الآلاف من أبناء وطنه،واحتلال بيوتهم
واراضيهم،والاستيلاء عليها ظلما وعدوانا،ورأى أن كل ما يملكه أولئك المعتدون من
ثروات ،سواء أكانت حيوانية أو زراعية أسياحية،هي ملك أبناء فلسطين ،وحق من
حقوقهم،التي سلبها الصهاينة منهم بقوة السلاح ،وبالتآمر على القضية الفلسطينية.
وقد فكر "أبوخالد" بالسبل التي يستطيع بها محاربة تلك العصابات،فقر رايه وبعض
المقربين منه أن يحاول استرداد ولوأقل من القليل من حقوق أهله المشردين،فأخذ يقوم
ببعض العمليات في الأرض المحتلة عام 1948،والتي من شأنها أن تعود بالضرر على
الصهاينة،وكان عدد من الصهاينة يلقون حتفهم في تلك العمليات،كما أنه "رحمه الله"
وجد أن الحرب لا تقتصر على القتل والتدمير فقط،ولكنها يمكن ان تكون حربا
اقتصادية،فأخذ يقوم ومعه عدد من المساعدين،بالإغارة ليلا على المستعمرات
الصهيونية القريبة من خط الهدنة،وفتح اليواخير والحظائر التي تنام فيها مختلف
الحيوانات( الأبقار الهولندية/الخيول/ الماشية والأغنام) حيث يقومون بفتحها بما
لديهم من معدات(كالمقصات الكبيرة التي كانت تستخدم لكسر الأقفال الكبيرة) وأشير
هنا الى ان أحد تلك المقصات ،كان كبيرا لدرجة انه كان يحمل على الأكتاف،كما تحمل
حقائاب الكتب،أي بإدخال فتحتي المقص في الكتفين ليحمل على الظهر.
كما كان المرحوم ومن ينزلون معه على تلك المستعمرات،يملكون أنواعا مختلفة من
الأسلحة(كالرشاشات،والبنادق سريعة الطلقات،والقنابل اليدوية،والمسدسات،وغيرها)
وكانت العمليات تلك ،تتم بعد دراسة المنطقة دراسة مستفيضة،ومعرفة أي المستعمرات
توجد فيها تلك الحيوانات،وكذلك تحركات الجيش الإسرائيلي،ودورياته الراجلة
والراكبة،وكذلك تحركات رجال الجيش الأردني والحرس الوطني الفلسطيني،لأنهم لم
يكونوا يسمحون بتلك العمليات،التي كانت من منظورهم تؤثر على العلاقات السياسية
بين الأردن وإسرائيل،وبعد ان كان يتم فتح الحظيرة،كانوا ينتقون عددا من الأبقار
،وبعض الحيوانات الأخرى ومنها الخيل كما قلنا،ويتوجهون بها الى الشرق،باتجاه
المنطقة العربية،وكانوا يحاذرون قدر إمكانهم من عدم التعرض لإحدى الدوريات سواء
العربية او اليهودية،وعندما كانوا يصلون بما جلبوه إلى بر الأمان،كانوا يرتبون
عمليات بيع تلك الحيوانات،وغالبا ما كانت عمليات البيع تتم لأناس في نابلس وغيرها
من المدن، وقد جلبوا ذات ليلة (حصانا أصيلا ابيض اللون،وقد اشتراه منهم الخال/
العبد زعرور(أبو محمود رحمه الله) .
ولا أخفي عليكم ،أنه كان هناك من يترصّد حركات "أبوخالد" وجماعته،وكانوا يحاولون
ابتزازهم عن طريق التهديد بالتبليغ عنهم للسلطات الأردنية،فكانوا يطلبون
الأتاوات(شغلة زعرنة وسلبطة) وكان أشهر أولئك ( المرحوم/ الرديسي البرق من
جيوس،وهذا يعرف كل الأهل) وقد رفض "أبوخالد ذات مرة ذلك التهديد،فما كان من ألئك
الحاقدين إلا أت قاموا بالتبليغ عن جلبة عدد من الأبقار الهولندية، والتي كانت
إحداها قد ولدت منذ أيام،فكانت سببا في تأخير المسيرة بسبب مشيها البطيء،لن درتها
كانت كبيرة،وتعيقها في المشي،مما أعطى الفرصة لأولئك لترصد حركات المجموعة،ومعرفة
وجهتها .
وقد حاول المرحوم"أبوخالد" التمويه قدر الإمكان، فسار بالقافلة باتجاه "بيت جفّة"
و " رأس القنديل " في ارض العبابشة،وسهّل له ربنا مكانا آمنا،تمثل في صيرة من
العرقان العالية،التي تحيط بها أشجار الزيتون،فآوى فيها البقرات،وصار يراقبها من
بعيد لبعيد،ولعدة أيام،حيث ان السلطات الأردنية المعنية في المنطقة،قامت بحملات
تفتيشية كبيرة في المنطقة،وبأعداد كبيرة من رجال الحرس الوطني وبعض الجنود
والفرسان،ولكن الحملة باءت (ومن دبرها وتسبب بها) بالفشل الذريع،وعادت بخفي
حنين،ومات المبلّغون والجشعين بغيظهم،وبعد عدة أيام من المراقبة الحثيثة من قبل
"أبوخالد" ومساعديه،وعند التأكد من أن أحدا لا يراقبهم، ساقوا البقرات الى الجهة
التي يريدونها،وقاموا ببيعها كالمعتاد.
ونسجّل هنا للتاريخ،أن المرحوم "أبوخالد" كان قد اقسم على عدم تمكين اية جهة مهما
كانت من الاستيلاء على تلك الجلبة،وبأية وسيلة كانت حتى لو بالمواجهة
المسلّحة،فكيف له ان يفرّط فيها وهو الذي كان ورفاقه قد وضعوا دماءهم على أكفهم
حتى وصلوا بعا الى هنا. كما اننا نسجّل للتاريخ موقف اثنين من أبناء قريتنا
الشرفاء،وهما :1) محمد الحاج حسن "أبوصبحي" و 2) أحمد محمود الحسين "أبوشوكت"
وكانا من رجال الحرس الوطني (القروي مش الرسمي) الذين شاركوا في حملة التفتيش،فقد
مرّا على تلك الصيرة التي كانت فيها البقرات،ولكنهما عملا نفسيهما وكأنهما لم
يريا شيئا ابدا، كما أن "أبو خالد" رحمه الله كان واثقا من أهل قريتنا،الذين
يحبونه ويحبهم،والحمد لله أن من شاهد المكان كان من ابناء القرية حفظهم
الله،ورجال قريتنا كان هذا دأبهم من القدم،وحتى أيام النفوذ العثماني،أو الإنتداب
البريطاني،وقد كانت القرية دائما ملاذا للثوار(1929 و 1936 وما تزال والحمد لله
عرين الأسد الأشاوس). ..كان
المرحوم رجلا شهما كما اسلفنا،وعلى الرغم من ان تحركاته في القرية كانت قليلة ،
بل نادرة ، لكنه كان مع اهل القرية قلبا وقالبا،كيف لا وقد رزق بعدد من الأولاد
في القرية،وعاش معهم على الحلوة والمرّة،واختلط اولاده مع أبناء القرية ،ونشأت
بينهم صداقات قوية، بل هي أخوّة أكثر منها صداقة،وكما أشرنا في بداية الحديث فان
العلاقات ما تزال موجودة حتى كتابة هذه السطور(شهر كانون الأول/يناير 2008).
... وكان المرحوم"أبو خالد" أخو صاحبه،وكما يقال باللهجة السورية(زكرتي أو معدّل)
يعني مستعد ان يفدي صاحبه بنفسه، وقد سبق وأن ذكر حكاية حول هذا الموضوع،وهي (لمن
اراد ان يرجع اليها)مدونة في باب حكايات، وموضوعها عن/مكثاة البطيخ ــ وأبطالها :
أحمد محمود الحسين "أبو شوكت"/ علي محمود الحسين"أبو هشام"/ ربحي الشري "أبو
جمال"/ احمد محمد الحسين "أبو محمد"..ومكانها "الدّببان وباب المقشور" والزمانة
على ما أظن كان عام 1956 أو1957..
وكان "أبو خالد" يحب الاستماع الى الأخبار،لأنه كان متأملا مثله مثل غيره العودة
الى مسقط الرأس في فلسطين ،وهذا كان حلمنا كلنا والذي نرجو ان يتحقق،إن لم يكن
لنا فليكن لأبنائنا من بعدنا ان شاء الله،وكان ملتقى سماع الأخبار في دار ابن
العم/ محمد الحاج حسن "أبو صبحي" حفظه الله،حيث لم يكن قد تزوج انذاك،والدار هي
التي أصبحت لاحقا ملك (الملك لله) المرحوم /أبو فتحي ، وكان عند أبو صبحي راديو
ماركة (باي) وكان الشباب يجتمعون عنده للعب الشدّة والسهرة الحلوة واللمّة
المحبّبة،وكان أكثر واحد يحب سماع الأخبار ،ومتأمل في العودة المرحوم/خميس أبو
حمد"أبوصالح القادم الى قريتنا من "يازور"قرب "يافا" ويسمون تلك المنطقة
"الفتوحيّة" ، وكان مشهورا في لعبة"الباصرة،ولا أحد كان يغلبه فيها،لأنه كان يحسب
للورق، وسوف نعرض لهذا عندما نستعرض قصته عندنا في صير ان شاء الله.
ولا أنسى ان انوه إلى أمر هام هنا،ألا وهو أن ابن الخال/ مصطفى الحسين "أبو
النافع" قد شارك المرحوم"أبو خالد" في عمليات النزول على إسرائيل،فكان لا بد في
هذه العجالة من أن ننوه بهذه المعلومة .
.... لقد كان "أبوخالد" يتقن اللغة العبرية كما العربية تماما،وكان خبيرا في
استخدام عدد من أنواع الأسلحة،خاصة تلك التي كان يستخدمها في عملياته ،وفي الحقبة
التي عاصرت فيها المرحوم"أبوخالد" في القرية،وذلك بالطبع منذ قدومهم الى قريتنا
وحتى نهاية عام1957،حيث انني بعدها ارتحلت عن القرية الى الكويت ،وكان ذلك في
16/01/1958 وبالتالي لم يعد لي احتكاك بهم،وانما كنت اتسقط اخبارهم كباقي اهلنا
من هنا ومن هناك..
أقول : في تلك الفترة التي عاصرتهم فيها،كانت هناك حكاية وواقعة مشهورة ،حدثت مع
بطل حكايتنا"أبوخالد" وبالطبع فان كبار السن الموجودين الآن(أطال الله بقاءهم)
يعرفونها،ومنهم: ابن العم/فخري مسعود "أبوعارف" ــــ وابن العم/ محمد الحاج
حسن"أبوصبحي" ـــ وابن العمّة/ راتب احمد الشري "ابوفريد" وغيرهم ،من المتواجدين
خارج القرية.،والحكاية هي كالتالي:
..ذات ليلة صيفيّة، قام "أبوخالد" وعدد من الرفاق بإحدى العمليات، على مستعمرة
"كفار عمان" شمالي قلقيلية"وكالعادة، جلبوا معهم عددا من البقرات الهولنديّة،وفي
طريق عودتهم،ورغم السير البطيء، والحرص الزائد،إلا ان المحظور قد وقع، والتقوا
بكمين للجيش الصهيوني في الطريق، فهم كما أشرنا سابقا كانوا له بالمرصاد من أجل
الإيقاع به وإمساكه،وكانوا قد اعلنوا عن جائزة مالية كبرى لمن يمسك به او يقتله
ويذهب لهم برأسه (ولكن آمالهم في ذلك خابت).
هب الكمين اليهودي ، وأمطر الجماعة بوابل من النيران،وبدأ يحاول تطويق الجماعة
،والإمساك بهم،ولكن العقل المدبّر كان قد احتاط لمثل هذه المواقف،فأمر جماعته بأن
يسوقوا البقر ،ويكملوا المشوار شرقا،وأوصاهم بعدم إطلاق النار على اليهود، حتى لا
يعرضهم للخطر، فأطاع الشباب اوامره واتجهوا بما معهم الى الشرق،وبهدوء،ودون إطلاق
رصاصة واحدة.
أما بطلنا"أبو خالد" فقد اخذ يشاغـل جنود الكمين(وهم في العادة يكونون بين 4 ــ 5
جنود) وأخذ يطلق عليهم صلية من الرصاص من جهة ما ،ثم يركض الى جهة اخرى بسرعة
البرق ،ويطلق صلية رصاص من هناك،وهكذا، وكان يقصد بذلك إيهام العدو بأن من
يقاتلهم أكثر من واحد،كما قام في بعض المرات ،بمحاولة الاقتراب من الجنود اليهود
،ومخاطبتهم بالعبرية، وكأنه نجدة قد أتت لمساعدتهم في القبض على المتسللين.
ولما قدّر في نفسه ان جماعته قد أصبحوا خارج دائرة الخطر؛ قرر عندها الانسحاب من
ساحة المواجهة،وتخليص نفسه من الحصار،وكان بالطبع على استعداد ان يستشهد ولا
يستسلم للأنذال اليهود،ولا أن يقع اي من جماعته في ايدي الصهاينة(وهذا شأن الرجال
الرجال،الذين يعرفون عند الشدائد) وخلال محاولته الانسحاب،تكاثر عليه جنود
العدو،وأحاطوا به من كل جانب؛حيث وصلت اليهم نجدات فعلية،ولكنه صمد صمود
الأبطال،واستطاع الهرب من الطوق الذي أحكموه حوله،حيث أصبح مكشوفا لهم بعد ان
أضاؤوا المنطقة بالكشافات،ورصاص التنوير،وأفلت البطل من بين ايديهم،ولكنه أصيب
بعيارات نارية خسيسة،وكانت الإصابات في اسفل البطن،لدرجة أن أحشاءه قد برزت من
بطنه الى الخارج،فما كان منه إلا أن نزع الكوفية(الحطّة) عن رأسه،وأدخل أحشاءه
الى بطنه ثانية،ورد قطعة اللحم التي انفتحت مكانها،وعصبها بالكوفيّة، وركض من
مكان الإصابة قرب كفار عمان إلى "وادي القرّام" شرقي "صوفين" شرقي "قلقيلية".
.... وكان في ذلك المكان ،وعلى يمين المتجه من صوفين شرقا باتجاه "المهللات
وجيوس"كانت هناك "خسفة" وفيها شجرة تين(ولي معها ذكريات عندما كنت طفلا دون
السادسة سأوردها ان شاء الله في مكانها). وقبل ان اكمل اود أن أنوه هنا الى أن
"واد القرّام" هو واد كبير يمتد من آخر نزول المهللات مقابل قرية "النبي الياس"
الى عند قرية صوفين غربا،وطبعا له امتداد من الشرق من ناحية واد الحوض ،كما ان له
امنداد شمالا ليلتقي مع اودية قادمة من شمال جيوس،وهو منطقة موحشة ومخيفة حتى في
النهار،وكنا اول ما نصل اليه تقف شعورنا خوفا،وكانوا يقولون عنه:(والله بتقتل فيه
100 قتيل في النهار وما حدا بيدري فيك).
.. في هذه الأجواء المخيفة والموحشة،وبالدم النازف من الجرح القاتل،لجأ"أبو خالد
البطل الى تلك "الخسفة" ينتظر الفرج من الله سبحانه وتعالى،وكان قد خارت قواه
لكثرة ما نزفت منه الدماء،وبينما هو على تلك الحال، إذ به يسمع صوت أجراس كالتي
تكون معلقة في رقاب الجمال، وكانت فعلا كذلك،وكان الجمّال المرحوم/أبوشكري،حيث
كان في طريقه الى قلقيلية لبيع حملين شعير لأحد أهل القرية،وكان /أبوشكري رحمه
الله ، يمتطي صهوة "الأبلق" حماره، ومدندل رجليه عليه "صندل..أي تكون إحدى رجليه
مدلاّة كالعادة ،والرجل الأخرى مثنية فوق البردعة"وكان يروّد في بعض الأغاني ،ليس
حبا في الغناء،ولكن تسلية لنفسه،لأن الإنسان إذا تواجد في مكان مخيف ،فإنه يحاول
تسلية نفسه بالغناء.
وما ان اقترب الركب،حتى عرف"أبوخالد"أنه /أبو شكري، فأخذ ينادي عليه بصوت ضعيف
لعله يسمعه ويهب لنجدته وإسعافه،ولكن / ابو شكري حط في إحدى أذنيه طينا،وفي
الأخرى عجينا،وصار يرفع في صوته أكثر من الأول،وعامل حاله مش سامع،وتفسير ذلك:إما
ان يكون خائفا،وإما انه ظن بان هناك لصوصا او قطّاع طرق يريدون به شرا،فأسرع
الخطى حاثا حماره على الإسراع،محاولا الوصول ولو لأول صوفين، المهم يخلص من شر
السواكين في الخسفة ،أو من شر اللصوص.
ولم تجد خطّة "أبوخالد" مع /أبو شكري..وبقي في الخسفة حتى آخر النهار
تقريبا،وطبعا ايامها لا في موبايلات ولا بلفونات حتى يتصل بأهله، وما في أقرب من
فرج الله،وعاد /أبو شكري من قلقيلية،وطبعا الدنيا نهار،والناس رايحين وجايين،ولما
صار بمحاذاة الخسفة،ناداه"أبوخالد"بإسمه : ولك يا ابو شكري انا ابو خالد،انا
محمود العايد ،تعال بدي إياك، ساعتها ترجّل ابو شكري عن صهوة الأبلق،واتجه الى
الخسفة التي يكمن فيها "أبوخالد" وطبعا وجده في حال يرثى لها من التعب،والإعياء
،ولكثرة ما نزفت دماء من جسمه،ويا لها من بطولة ،ونفوس ابيّة، تلك التي كان
يتحلّى بها بطلنا وأمثاله،والذي تحمّل كل هذا الوقت من الإنتظار.
أحضر ابو شكري أحد الجملين ، وأناخه قرب الخسفة،وحمّل عليهالبطل"أبوخالد" وعاد به
الىالقرية،وتصوروا تلك المشقّة،الركوب على الجمل،وتلك المشية المعروفة
للجمال،والهز للأمام وللخلف،وصعود المهللات بطريقها الصعبة وما فها من تحويلات
ومزالق ،ومن ثم مرورا بقرية"جيوس"من قرب دار "فايز الحمدان" وبركة جيوس،والى باب
المزبّل،وشرقا حتى وصول القرية.، وإنزاله في داره،وما حلّ بزوجته واولاده،وحتى
اهل القرية،من إنزعاج وقلق وخوف على حياة "أبوخالد".
.. طيب،الرجل مصاب، والجرح كبير، والدماء تنزف بغزارة،فما العمل؟ لا بد من
الإسعاف الفوري،ولا بد من إدخاله الى المستشفى،ولكن كيف والرجل مطلوب للسلطات
الأردنية؟ وكيف يمكن ذلك والمستشفى بعيد وفي "طولكرم أو نابلس"؟ وكيف ذلك ولا
توجد اية وسائط مواصلات في القرية آنذاك؟ وكيف ذلك والوقت يكاد يدهمهم فقد أشرفت
الشمس على المغيب؟ وكيف ذلك ولم تكن الطريق من القرية الى الشارع العام قد افتتحت
حتى ذلك الوقت؟ يعني كل الطرق كانت مسكّرة،ولكن الأمل بالله دائما كبير،والنفوس
الطيبة لا بد وان تجد لها مخرجا من الله تعالى.
.. ويحضر المرحوم / سليم الشرّي "أبو رشاد" والذي كانت له ــ رحمه الله ــ علاقات
قوية مع ذوي الشأن في سلطة الحكومة في "نابلس مع المتصرف،وأشار على الأهل ان
يعملوا نقالة بدائية،فأحضروا سلّما طويلا،وفرشوا عليه الفرشات
والبسط،ومدّدوا"أبوخالد" عليها،وحملوه على أكتافهم من القرية ،حتى الشارع العام،
وكانوا جميعهم يتسابقون للمشاركة في حمل النقّالة، وذلك بسبب حبهم للبطل
"أبوخالد".
.. وعند الوصول الى الشارع العام ،مرّت إحدى سيارات الأجرة التي كانت تعمل على
الخط بين طولكرم وقلقيلية،وأفلت بطلنا بصحبة / أبو رشاد وبعض الرجال
الآخرين،وتوجهوا به الى مستشفى نابلس،وتم إدخاله المستشفى بعون الله، وأجريت له
على الفورالإسعافات اللازمة،وتمت خياطة الجرح بكل يسر والحمد لله،وكتب
للبطل"أبوخالد"عمر جديد،وغادر المستشفى بالسلامة بعد عدة أيام دون منغصات او اية
مشاكل،وعاد بسلامة الله الى القرية، ليلقى العناية والرعاية ،على يد زوجته
،ورفيقة دربه الأخت الكريمة الفاضلة/أم خالد..ولم يدّخر أهلنا آنذاك جهدا في
تقديم كل العون للبطل وأسرته،حتى تعافى وشفي تماما،وعاد ليمارس ما كان عليه سابقا
من جديد،وبكل الشباب، والعنفوان،والبطولة والجلد والصبر.
رحم الله بطلنا/أبوخالد،وجعل مثواه الجنة، مع الصدّيقين والصالحين والشهداء ،
اللهمّ آآآآآآآآآآآآآميننآآآآآآآآمين.
صويلح..ومفحمة
بير السِلّمة..
صويلح..هو شاب من قرية
الصفّوريه المحتله عام 1948..وقد عمل ذات عام راعيا
عند دار العم /مسعود الحسين"أبوفخري" رحمه الله..وكان ذلك الشاب أشبه ما يكون
بالدراويش"أو أنه كان يتظاهر بذلك" فلست أدري،إنما كان يبدو طيبا ،ساذجا،وعلى باب
الله..وكان على علاقة وثيقة جدا بكل الناس،ولكنه كان يخص الأخ/ علي محمود
الحسين"أبو هشام" ــ طوّل الله عمره ــ بعلاقة خاصة،فقد كان يلازمه ملازمة شبه
دائمة،ولا تمضي ليلة إلا ويأتي الى الدار عندنا ليمضي بعض الوقت،خاصة في ليالي
الصيف المقمرة،وقد كانت المرحومة الوالدة/ أم حسن تعطف عليه كثيرا،وتعامله معاملة
حسنة،كما كان هو أيضا يكن لها كل احترام وتقدير،ولكنه كان يناديها بـــ الخالة /
أم علي بدلا من أم حسن،وعندما كان يحضر الى بيتنا ،كان يجلس على الدرجات الخارجية
للبيت،ويدور الحديث بينه وبين الأهل من بعيد لبعيد.
وكان السيد
صويلح يتفاخر بصوته الشجي،وبأنه يجيد غناء الدلعونا والعتابا،وقد اشتهر
بغناء بيت من العتابا والذي حفظته عن ظهر قلب،لأنه كان يردده في أغلب
الليالي،وبيت العتاب هذا موجه الى الحبيبة،يدعوها فيه الى الهجرة معه الى اي مكان
يتواجد فيه الأحباب،وإذا لم تفعل وقضى هو نحبه لاحقا،طلب إليها أن تزور
قبره،لتترحم عليه،وأن تضع الزهور دائما على القبر،فيقول
حاسبيني واخلصي مني وفِلاّ وازرعي على قبري وردة وفُلاّ /وحُط] يدّي بيدّك تا
نفِلاّ ونسكن ديرة فيها الحِبا ب...
*فِلا الأولى تعني :أهربي والثانية تعني وردة الفُـل والثالثة تعني نهرب معا..
....وذات يوم غضب منه واحد من أبناء العم /أبو فخري (لا أذكر هل هو أبو عارف أو
المرحوم /أبو امديرس)..ويظهر انه انتهره بغضب او اسمعه بعض الكلمات القاسية
شوية..وطبعا الأفندي حِرِد وأخذ على خاطره،وفكر ان لا ينام في الدار كاالعادة في
تلك الليلة، وما كان منه إلا أن يتوجه الى المفحمة التي بجوار " بير السِلّمِة "
في رأس القرنة، ليقضي فيها ليلته تلك، والصبا رباح،وفعلا توجه إلى هناك ، ودحَشَ
حالو في أحد النّواميس الزغيرة اللي فيها من جوّة،واستدفى على قصلات
المرحومومة/ام حسن،واستغرق في نوم عميق،ولا يدري ما الذي تخبئه له الأقدار..وهنا
نتوقف قليلا لنوضّح لكم شو دخل /أم حسن في الموضوع ، فلا تتعجّلوا النهاية.
لقد كان الأهل يستخدمون " التنانير " جمع "تنّور" مش جمع " تنّورة" كما قد يتبادر
لذهن البعض،على رأي الأغنية الدارجة،والتي دوش راسي فيها إبن إبني لكثرة ما
يرددها على مسامعي( جكَر " وهي "ليه بتقصِّر تنّورة " لأحد المطربين
اللبنانيين!!..ةالتنور هو "الطابون" سقى الله على أيامه..وقد اختارت الوالدة /أم
حسن رحمها الله تلك المفحمة لتتخذ منها قاعدة للطابون ، ولا أريد ان اصف لكم تلك
المفحمة ،فأنتم أدرى مني بها ،ولا مانع من أن أشير غلى أنه كان فيها على ما أعتقد
3 ـ 4 نواميس(جمع ناموس ولكن مش الناموس القارص الصغير أي الهسهس ولكن المغارة
الصغيرة)..وكانت النواميس من الداخل، أي لما تنزل إلى أسفل المغارة عند القاعدة(
مش تنظيم القاعدة بل الأرضية أو ما أطلقوا عليه البنية التحتية ) تلاقي اولا
الطابون ،ومن الداخل هناك النواميس التي اشرنا إليها،وكانت الوالدة كما قلنا
تخزّن فيها القصلات وزبلات الطابون (بعيد عنكم).
وفي صبيحة ذلك اليوم ــ شأنها في كل يوم ــ سرت الوالدة من النجمة ، أو كما
يقولون "من دغاميش الله" وشو عاد معنى الدغاميش؟ الله أعلم ، ويمكن العتمة أو
الظلام الدامس!! ،ووصلت الى الطابون، وكانت تستعين على دياجير الظلام ،بسراج
وقوده من الزيت الصافي (فغيش ، او من زيت الطفاح ، والفتيلة من "دِكِّة شروال
الوالد الله يرحمه ،أو شراويل أحد الإخوان ،مجدولة على كيف كيفكم ،جدلة لا تنفصم
عراها ( مثل الإتفاقيات والوحدات العربية ولا تشبيه).
نزّلت /أم حسن الحمولة من على رأسها"لجن العجين"،وأخذت تفتش عن مكان مناسب تركز
عليه سراج الغولة(مش ظاوي على حاله) ووالله أنني كنت ، وما أزال، وسأبقى محتارا
كيف كانت تتجرأ /الله يرحمها/ على دخول تلك المغارة في ظلمات الليل،صيفا
وشتاء،والواحد منا ما كان يستجري يفت فيه في عِزَ دين النهار !! إنها الأمومة
الصادقة ،وإنه والله التفاني والإخلاص ،وإنكار الذات، يقوم بها الفرد من اجل
المجموع، اقتداء بأسلافنا عرب الجاهلية ، عندما كان الفرد ينتصر للقبيلة،
والقبيلة تنتصر للفرد ،هيك عينك عينك، ظالما أو مظلوما (ولا اأخفي عليكم أن أغلب
القرى ومنها قريتنا الحبيبة كانت سائدة فيها تلك المفاهيم الخاطئة،وكانت تحدث
مشاكل وإشكالات جراء تلك الأمور،ولكن الشباب المتعلم والمتنور رفض ويرفض ذلك
والحمد لله ،وإن شاء الله دائما نكون الجميع أسرة واحدة، ويدا واحدا ،وقلبا
واحدا، يااااااااااااااا ربّ)..
المهم(وسامحونا على الإطالة ) وضعت أم حسن السراج،وتناولت "المقحار" /وجكر فيكم
ما بدي أشرح عنه إشي، أحسن تقولوا إنو هاظا الزلمي بيرظ حكي كثير على الفاظي /
قلنا إن أم حسن تناولت المقحار،وقحّرت به الرماد من على أعلى الطابون، وأمسكت
بقطعة الحديد اللي ماسكة الغطاية،وحركتها يمنة ويسرة ،وجيئة وذهابا عدّة مرات،من
أجل الأكد من أنه لن ينزل في الطابون أي شيء من "السكن"،وطبعا هذه الحركة بيطلع
لها صوت حشرجة ، أو أحتكاك،وفي تلك اللحظة الحاسمة(وكل أمور العرب وقراراتهم
حاسمة ما شاء الله ) استيقظ الأخ /
صويلح ،وتململ على القصل في الناموس،ويظهر
إنو تنحنح ،وكانت النحنحة خشنة شوية، لأنه يظهر مش كاين ماسح زوره بأي شيء،ولا
كاين شارب زنجبيل (مثل الحدّاية اللي كانوا ييجو يغنّوا في الأفراح عندنا،حيث كان
صاحب الفرح لازم يوفر الزنجبيل او السكر الفضي لهم منشان لما ينبحّ صوت المطرب
يشرب شوية يجرد زورو فيهن،(وديروا بالكم ،ينبحّ هذه بتشديد حرف الحاء وليس
بتخفيفه،للن التخفيف بتصير الكلمة ينبحْ، والمعنى طبعا مختلف واجد واجد على رأي
إخواننا الهنود)..
ويا إخواني ، ما أن تنحنح الأستاذ
صويلح،حتى وكأن زلزالا ضرب المفحمة، فطار
صواب المرحومة/ أم حسن،ولم تدر ما الذي حصل،ولكنها بطبيعة الحال ،القت ما في
يدها: المقحار وغطاة الطبون،وأطلقت ساقيها للريح(وما كان في ريح هناك ولكن هكذا
يقولون في المثل للتدليل على الهروب الناتج عن الفَزَع الله يجيرنا
ويجيركم)..وأظن أنها وخلال عملية(الفليلة ثلثين المراجل مثل قواتنا في حروب
الـــ.... واللا بلاش أحسن) أظن انها خفشت في لجن العجين،ولا عمر حدا أكل ،متبعة
المثل الذي يقول:" يا روح ما بعدك روح" وبالله عليكم ،بالله عليكم ،إنو لو صار
هاالموكف (الموقف) مع واحد مننا ،شو يا هندرى كان سوّوى؟؟ يالله الشاطر يجاوب!!..
المهم /أم حسن ولت الأدبار غير ملوية على شيء،وأصوات صراخها كانت للجو
العالي،لأنها فكّرت بعد كل هاالسنين إن المفحمة "مسكونة" وكانت بتركض وهي فاكرة
إنهم بسم الله الرحمن الرحيم لاحقينها.
ويظهر إنو الأخ /صويلح صحصح شوية،وحب يستدرك الموقف،فهرول(حلوة هرول ..بس شو يعني
معناها) هرول من خلفها،وأخذ يصيح عليها : يا أم علي..يا أم علي.. لكن وين أم علي
شو بدو يوقفها؟ أي والله لو كان هناك طابور جيش تركي ما بيوقفها،وما رد راسها إلا
البيت،وطبعا وصلت يا كبدي عليها "الله يرحمها طلبت روحها الرحمة" وصلت لونها
مخطوف وصاير مثل الليمونة(وعلى فكرة كانت غفر الله لها حلوة ومزيونة ،أي هو
الوالد/أبوشريف تولّع فيها من إشي قليل؟؟)..وكانت ابتلهث، وبتنهج،وصدرها طالع
نازل،وصحيوا الإخوان، وحاولوا يهدّوها،وراحوايستجوبونها للوقوف على
الحقيقة،ومعرفة خلفية الأمر،وكانت هي تحاول شرح الأمر:باإشارة بيدها تارة،وبالحكي
المقطّع"المتقطّع"تارة أحرى،وناولوها إبريق الفخّار عشان تجغب لها جغبة بلكي على
الله هديت وراقت..
المهم،استطاعت ان تحكي بعض الذي حصل،ولكنها لم تكن تعرف أن المجرم المتسبب في هذا
كله هو العزيز/
صويلح أفندي،والذي لحق بها الى البيت،ولما وصل سألوه عما
حصل،فحكى لهم القصة من طقطق لسلامو عليكم،وإنو ما كان قاصد في اللي حصل،وإنّو كان
هناك إلتماس قصدي إلتباس ،أو لَبْس "سوء فهم" في الأمر..وطبعا هاظا الحكي ما
بيطعم خبز،ومنين الخبز يا حسرة ؟ما هو العجينات طاروا ،وانكب اللجن على السكن في
كاع المفحمة..
وطبعا وصلت الأنباء من خلال الوكالات الكثيرة المتواجدة في الموكع(الموقع)، وكانت
أيامها المواصلات ،قصدي الإتصالات بالطرق البدائية، وعن طريق المشافهة،واحد بيحكي
للثاني،وهو ينقل الى غيره،وطبعا مع شوية فليفلة،عفوا شوية فلفل إسمر حرّاق،وشوية
بهارات الكبسة السعودية ذات النكهة الطيبة،وصلت الى الجهات المعنية والمختصة، في
دار العم /أبو فخري،حيث قام أحد أبناء العم باتخاذ الإجراءات اللازمة والحاسمة،
بحق ذلك الأفّاق الآبق،والتي كانت عن قتلة مرتبة،أعتقد أن طعمها بقي في فم /صويلح لسنوات عديدة..وأظن والله أعلم ،أنه لم يقبل بذلك الإجراء ،وبدلا من ان
يقدم الإحتجاجات، والشجب والتنديد والاستنكار (كما يفعل عربنا اليوم)، بل قرر ان
يتخذ إجراء مضادا،وأن يثأرلكرامته المهدورة،والتي تمرمغت في التراب،قرر أن يتقدّم
إلى مجلس الأمن ياستقالته،وإعفائه من مهمته،حتى لو أنه خسر أتعابه جراء ما قام به
من مهمات ..وعلى فكرة أيامها كانت الرعوة "بير يير" يعني في السنة،لا تتعدى 20
ملطوشة(نيرة)وومع الكسوة والمونة والمنامة في فنادق الخمس نجوم آنذاك(الرواكات أو
أسطح المنازل على الحصيرة)..أو منهم من كان يتقاضى بدل النقود(عوابير أو خرفان).
عائلة / أبــــو علـــي
الخطـــاطـــري..
.. عائلة/ أبو علي الخطاطري..من العائلات التي اضطرت تحت ضغوط العصابات الصهيونية
المجرمة،إلى الهجرة واللجوء، وترك موطنها الأصلي ، في منطقة السهول الساحلية
لفلسطين،وعائلة الخطاطرية، هي واحدة من عدة عائلات كانت تسكن في منطقة (عرب أبو كشك
) وكان من تلك العائلات ايضا : العرايشية/ الموالحة / القرعان ..وغيرها من
العائلات،وكان شيخ عرب /ابو كشك هو الشيخ/ شاكر أبو كشك، وعلى ما أذكر كان له أخ
آخر ،تسلّم الشيخة بعد وفاة الشيخ شاكر وهو الشيخ/ سيف أبو كشك،وبعد اللجوء تفرق
افراد القبيلة، فمنهم من سكن في مخيم "عسكر" شرقي "نابلس" ومنهم من سكن في مخيم
"عقبة جبر" قرب اريحا ،وبعضهم في مناطق اخرى.
..وعندما وصل / أبو علي واسرته الى قريتنا"صير" تم تسكينهم في " سقيفة الضيوف" التي
كانت قرب حواكير الصبر شرقي القرية.. وكانت الأسرة مؤلفة من:
أبو علي ــ رب الأسرة.. وزوجته الثانية(لا أعرف إسمها،وكانوا ينادونها بــِ أم /
حسن )..وأولاده /حسن و / آمنة من زوجته الثانية /أم حسن بالإضافة إلى بناته من
زوجته الأولى وهن : الكبرى واسمها/سارة..والوسطى واسمها / سرّيّة.. والصغرى وكان
اسمها / ريّا..وكانت البنات الثلاث سمراوات البشرة ،وكن يرتدين العباءات السوداء
التي كانت تلبسها نساء البدو.. أما الإبن/ حسن والإبنة الصغرى / آمنة ، فقد كانا
شقراوين ،كوالدتهما وهي ايضا بدوية،وكانت الأسرة تعيش في حالها ،ولم تكن العلاقة
قوية مع أهل القرية ،إلا في الحدود الضيقة..
..وكما كنا نشاهد ، فقد كانت الأخوات الثلاث (سارة/سرية/ ريا ) هن أكثر أفراد
الأسرة قياما بالمهمات الخاصة بالأسرة ،حيث كن يخرجن لإحضار الحطب ،أو للعمل ، أو
لإحضار الماء من العيون التي في الوادي والمعروفة بــِ ( أبيار صير ــ وكانا بئران
: ألبير الغربي / والبير الشرقي ) وقد كان البير الغربي كبيرا، ويرد عليه عدد كبير
من الرعاة لسقي مواشيهم صيفا، ولأنه كان واسعا بعض الشيء، فقد كان بعض الرعاة
ينزلون فيه للسباحة،وبالتالي فقد كان قليلا ما تستعمل مياهه للشرب، حيث كان البير
الشرقي هو المخصص تقريبا وبنسبة 90% للشرب اكثر منه لري المواشي..وكانت مياهه عذبة
صافية،ولأنها مياه من مصادر جوفية،فقد كنا نجدها دافئة شتاء، باردة صيفا(سبحان الله
).
..ذات يوم ـــ مشؤوم ـــ وردت البنت المدعوة/ سارة على البئر ،لتجلب الماء لأسرتها
كالعادة في كل يوم ، وكان معها على البئر عدد من بنات القرية ،وكانت منهن على ما
أذكر السيدة / تميمة "أم لطفي" زوجة المرحوم/عبد اللطيف الحاج حسن "ابو لطفي"..ولأن
النساء بطبعهن ضعيفات البنية، فقد كانت إحداهن عندما تخرج الماء بالدلو المخصص لذلك
، كانت تسكبه في الجرّة ، وكانت بعد ذلك تمسك بطرف الحبل، وتبعد خطوتين إلى
الوراء،وتلقي بالدلو مرة واحدة في البئر، الذي يبلغ عمقه (الفارغ) ما يقارب الخمسة
أمتار،ومن ثم ، وعندما يمتلىء الدلو، كانت تسحبه قليلا قليلا، والحبل يجرّ على
حجارة جدران البئر( ومع الزمن تجد هناك آثارا للحبال على تلك الصخور).. وهذه الآثار
ورد ذكرها في بيت من الشعر، للفارس الأسود" عنترة العبسي" في معلقته المشهورة،
والتي مطلعها : هل غادر الشُّعراء من متَرَدَّمِ / أم هل عرفتَ الدّارَ بعد
توهُّمِ..ويصف "العبسيُّ" المعركة، والسيوف والرماح التي أصابت حصانه، وتركت فيه
علامات،كتلك العلامات والآثارالتي تتركها الحبال في حجارة البئر،فيقول عنها وكأنها
: أشطانُ بئرٍ في لُبان الأدهم. والأدهم هو حصانه..
..أخرجت "سارة الدلو، وأفرغت ما فيه في جرّتها، ثمّ أمسكت بطرف الحبل كما جرت
العادة ، لتلقيه ثانية في البئر، وبسبب القدر،وانتهاء الأجل، وأن الموتة ستكون غرقا
في الماء، وفي هذا المكان بالذات ، وفي تلك اللحظات ، حيث كان الرعاة قد انطلقوا
بمواشيهم الى المراعي،ولم يكن أحد متواجدا هناك إلا النساء( الملاّيات) حيث كنَّ
ينزلن لجلب الماء بعد مغادرة الرعاة للبئر..
لم تشعر /سارة ان جزءا من الحبل كان قد التف على أحد قدميها، فما أن ألقت الدلو،
حتى جرفها ثقله إلى ناحية حفّة باب البئر، وكانت الحفة دائما مبلولة بالماء، وسريعة
الإنزلاق بسبب نعومة الصخور، وكثرة ما يلقى عليها من المياه،وتدلّت / سارة في
البئر، وكانت طويلة الجسم بعض الشيء، وتعلقت بأيدي البنات هناك،وخاصة يد السيدة /أم
لطفي..والتي لم تستطع لوحدها رفع البنت،بل كادت /سارة ان تسحبها معها إلى
البئر،وافلتت يد /سارة فهوت إلى البئر،وأظن أنها ارتطمت بجدران البئر وهي
تسقط،ووصلت إلى الماء،وبسبب ثقل الجثة طبعا غطست إلى القاع،وصعدت ونزلت عدة مرات في
الماء، واستغاثت ونادت ولكن لا مجيب، ولم يكن هناك رجال في تلك اللحظة،ولم يكن إلا
النساء اللواتي ملأ صراخهنّ جنبات الوادي،ينادين ويصرخن،وهنّ حائرات في ماذا
يفعلن،ولم يكن باستطاعتهن إلا أن يحاولن النظر إلى الماء في الأسفل، وهل /سارة ما
تزال حية وعلى وجه الماء ام أنها غرقت، أو يكثرن من الصراخ والمناداة،لعلّ أحدا
يسمع ، ويهب لنجدة المسكينة..
وغرقت /سارة.. وعل الرغم من أنّ من يتوفى غرقا تطفو جثته على سطح الماء، إلا أن جثة
سارة لم تكن طافية، وهذا ما زاد في هلع المتواجدات هناك وخوفهن،وعلى أثر الصياح ،
وصل إلى هناك أولا المرحوم/ العبد هنطش"أبوتوفيق" ونزل الى البئر ولكن لم يستطع فعل
شيء، ولم يعثر على الجثة،ووصل بعد ذلك المرحوم/ عبدالرحيم الشري"أبوخليل" ولم يستطع
هو الآخر فعل شيء، ومن ثمّ وصل هناك المرحوم/ حسين محمود الحسين"أبو العبد" ونزل
الى البئر وأخذ يغوص تحت الماء ،وفعل ذلك عدّة مرّات،وقد نجح أخيرا في إخراج الجثّة
، ولكن بعد أن كاد يفقد حياته..وذلك لأسباب رواها لنا ،وكانت كالتالي:
لقد قال المرحوم/ ابو العبد، أنه كان هناك طاقة صغيرة أو ما كانوا يسمونه" اللّجف"
في الجدار الشمالي للبئر، ومختفي طبعا تحت الماء، ويبدو أن المرحومة/ سارة بينما
كانت تقاوم الموت، وتعلو وتهبط تحت الماء،علق ثوبها بذلك اللجف، فاستقرت تحت الماء
وانخنقت،ولم يعد جسمها يطفو على السطح،وكان المرحوم/ابو العبد يعرف ذلك المكان
جيدا،ويظهر ان الآخرين كانوا يعرفونه، وبالتالي كانوا يتحاشون الاقتراب منه،إلا أن
/ابو العبد ـــ وبعد أن فقد الأمل بالعثور عليها في جوانب البئر الأخرى، قرر
المغامرة بحياته، وغطس باتجاه ذلك اللجف، وعثر على الجثة هناك، حيث لمس بقدمه
الثوب، فعرف أنها عالقة هناك، وحاول عدة مرات ان يمسك بالثوب بقدمه ليخرجها، ولكن
الأمور لم تأت كما كان يشتهي، فغطس برأسه باتجاه اللجف، وانحشر رأسه هناك ، وتضايق
جدا ، ولكنه قاوم، وإرادة الحياة أعطته العزيمة، ورحمة الله تداركته، فاستطاع تحرير
نفسه ،وصعد ليأخذ قليلا من الهواء، وبعد أن استراح قليلا عاود الغطس ، وتمكن من
إخراج الجثة،ولكن بعد أن سبق السيف العذل،وانتقلت المذكورة إلى رحمة الله، وذاك كان
قدرها، أن تتشرد وتهجّر من موطنها، ومن مدارج صباها، لتموت وبهذه الطريقة في "بير
صير".. رحمك الله يا "سارة".. ورحمكم الله يا : أبو توفيق / أبو خليل / أبو
العبد..ورحم الله امواتنا جميعا..ورحمنا معهم إن شاء الله..
وعاشت الأسرة بعد ذلك فترة من الزمن في القرية، ثمّ ارتحلوا لظروف خاصة بهم إلى
مخيم" عقبة جبر" قرب أريحا، وانقطعت الصلات والإتصالات معهم، وقد عمل إبنهم/ حسن
عاملا على جسر"دامية" بعد احتلال الضفة الغربية، وكان ذلك الجسر معبرا للزوار
القادمين او الخارجين من وسط وشمال الضفة، وقبل ان يصبح جسر "الملك حسين" هو المعبر
الوحيد للجميع، وذات مرة، وقد كنت في طريقي في زيارة للأهل في الضفة، لمحته هناك،
وقد عرفني ، ولكننا لم نتبادل الحديث..وانطوت صفحة من صفحات تلك الأسرة التي
استوطنت قريتنا ردحا من الزمن..
..أبــــو مـحـمـــود
الـــحارثــي..
..الحارثي..هكذا أطلقوا عليه..او هكذا عرف لأهل قريتنا..وكانوا ينادونه بــِ " أبو
محمود "..
نعم..هكذا عرفته..وهو واحد من أصحاب العائلات الذين لجأوا إلى القرية بعد عام
1948.. وبطبيعة الحال..وبالنسبة للمسمى او اللقب الذي عرف به عندنا..فلا شكّ بأنهم
قد نزحوا من وادي الحوارث التي إليها ينتسبون.. ونزلوا على الرحب والسّعة بين الأهل
في " صير "..ولم أعرف له إسما غير "الحارثي".. هكذا كانوا يقول لنا الأهل إذا
أرادونا أن نطلب منه شيئا..او نرسل له شيئا : روح يا ولد على دار الحارثي وقل له
كذا وكذا..أو إذهب يا ولد على دار الحارثي..وجيب لنا الغرض الفلاني..نعم .. هكذا
فقط عرفناه.. وكان له أسرة : زوجته وأولاده..وكان أكبر أبنائه يدعى / محمود /..وكنت
صديقا له الروح بالروح..وكذلك كان الأخ / سعيد احمد الشري " أبو إبراهيم " صديقا
له..فقد كانت العلاقة ما بيننا نحن الثلاثة قوية جدا..ولم نكن بالكاد نفترق عن
بعضنا البعض..وقد كنا كثيرا ما نلتقي في دارهم (دار الحارثي )..ونمضي أوقاتا في
الحديث واللعب معا..
.. وإنني في الحقيقة..لا أكاد أذكر غير " الحارثي الأب ".. وإبنه /محمود/ أما باقي
أفراد الأسرة ..فما عادت الذاكرة تختزن لهم شيئا..وقد كان / ابو محمود الحارثي رجلا
فاضلا..وإنسانا بكل معنى الكلمة..ولم يكن يشعر بالضيق او التبرم فيما إذا صادفنا في
بيته نلعب هناك مع أولاده (وأخص /محمود )..فقد كنا آنذاك أطفالا في سن ما بين 8 ــ
9 سنوات تقريبا..وقد كانت سكناهم في سقيفة المرحومة / أم سليم ..والدة المرحومين (
سليم الشري / أبو رشاد..و / عبد اللطيف الشري / أبو ربحي )..وكانت السقيفة كما ذكرت
في مكان آخر..تقع محل الغرف الشمالية من دار المرحوم / أبو رشاد..والتي بنيت منذ
سنوات عدة..وكانت إحداها لهل بابان : أحدهما داخلي يفتح على حوش الدار
الجُوّاني..والباب الآخر خارجي يفتح على الشارع من الجهة الشمالية..يعني مقابلا
لبلاطات " علقمة "..وكان يستخدم كَــ " ديوان " وعليه ساحة صغيرة..وطبعا السقيفة
كانت إلى الأسفل من مكان الديوان..وأظن أنها مكان تلك الغرفة التي من تحت وتفتح على
الحوش..وكانتا بالطبع ترتفعان قليلا عن بيدر علقمة.. ومن على زاوية السقيفة
المذكورة..كنا ننزل ونحن في طريقنا الى دار المرحوم / خميس ابو حمد " أبو صالح"..
.. وكان /أبو محمود الحارثي يملك جملا..وقد كان يعمل عليه ليكسب رزقه ورزق
عياله..وطبعا أكثر شيء كان يستخدم فيه " شيل القمح والشعير " ونقل الغلال من الحقول
إلى البيادر..وصدّقوني إذا قلت لكم أنني ما أزال أحتفظ له في الذاكرة ..بصورة وهو
ينيخ ذلك الجمل ذات يوم..من ذات عام..من ذات موسم حصاد..على بيدر المرحوم / إبراهيم
الشري..الملاصق لبيدر دار الحاج /عبد الرحمن الشري "أبو أحمد " رحمه الله.. من
الجهة الجنوبية..فوق مقاثي المرحوم/ الخال صالح الزعرور..
والحقيقة أن /أبو محمود الحارثي ــ على ما أعتقد ــ لم يمكث في القرية كثيرا..وأنهم
قد ارتحلوا إلى مكان آخر لا أعرفه..
..وما أزال أذكر تلك النصيحة التي نصحني بها /ابو محمود الحارثي ــ رحمه الله ــ
فقد دخل علينا السقيفة ذات يوم..وكنت أعصر إحدى قدميّ بسبب الخدران..نتيجة الجلوس
عليها لفترة طويلة..فما كان منه إلا أن اقتطع قشّةً صغيرة من قشّ الحصيرة التي كنا
نجلس عليها..وناولني إياها قائلا : خذ يا ولدي هذه القشّة..وضعها بين إبهام قدمك
اليمنى والإصبع الذي يليه..وحركها بلطف قليلا..وستجد ان الخدران قد زال بإذن
الله..وإنني والله ومنذ ذلك اليوم..وكلما خدرت قدمي أو نمّلت بسبب الجلوس
الطويل..مأ زلت أتذكر تلك النصيحة.. وكثيرا ما أعمل بها..رحمك الله يا أبا محمود
ـــ ميّتا كنت أم حيّا ـــ ورحمنا معك جميعا..
تنويــــــه:
أرجو من الأخوة الذين سيقرؤون ذات يوم هذا الكلام..أن لا يسيئوا فهمي..او يقولون أن
هذا لرجل يجانب الحقيقة..فيما لو وجدوا أن أوصاف الأماكن التي أتحدث عنها غير
موجودة..أو أنها غير مطابقة للواقع..فالحقيقة التي لا يجب أن تغيب عن بالهم ..ان
هذه الأوصاف هي لأماكن أعرفها وعايشتها قبل أكثر من "50 " عاما على تدوين هذا
الحديث..وبطبيعة الحال فقد طرأت تغييرات كبيرة وكثيرة على البنية التحتية
للقرية..من شق الطرق..وإقامة المباني على ما كان يعرف بالبيادر..وأظن أن بيدر دار
الحاج عبد الرحمن الشري(العبد حسن الله يرحمه ) قد أقيمت عليه بعض البيوت..ولكن كان
هناك بئر ماء جمع "من مية الشتاء" على طرف البيدر من الجنوب..وتقريبا بين
البيدرين..وكانت له دكّة إسمنتية بارتفاع ما يقارب 50 ــ 70 سم..وله غطاء حديدي..
وكثيرا ما نشلنا الماء منه بالدلو (الركوة ) والصورة ما تزال عالقة في الذهن كأنها
بالأمس..وأرجو المعذرة إذا كانت الصورة قد اختلفت الآن بعض الشيء.. وعلى فكرة.. فقد
كان يحد بيدر ( أبو أحمد ) من الشمال..جنانة ملك /إبراهيم الشري.. وفيها تينة صغيرة
على جانب الطريق ..على يسار النازل الى المقاثي أو إلى بير صير عن طريق
الخنقة..وكان بالإمكان قطف بعض حبات التين عنها من الطريق..وإذا لم تخنّي الذاكرة
..فقد كانت من النوع الذي يسمونه (خضاري ).. اللهمّ اجعل كلّ حبّة أكلها أحد المارة
منها..في ميزان حسناته..وصدقة جارية عنه ــ رحمه اللــــه ـــ
..المرحوم / أبو شكري..
كان أسمه عبد اللطيف .. وهو واحد من الذين وفدوا الى قريتنا "صير " بعد نكبة
1948..وقد وفد إلينا مع أسرته..والتي كانت تتكون من إبنه البكر /شكري ..وهو من
زوجته الأولى المتوفّاة..وهو من قرية "الشيخ مونّس " قرب يافا..وكانت هجرته أولا
إلى قلقيلية على ما أعتقد..حيث تزوج بامرأة من عرب "القرعان" كانت تدعى "أم
جمال"..وكانت تسمى كذلك لأنها كانت متزوجة من شخص آخر قبل المرحوم /أبوشكري..وكان
لها أولاد من زوجها الأول..وابنها البكر كان يدعى"جمال"..وكان يتردد على والدته
كثيرا في القرية..حتى أنه عاش فيها ردحا من الزمن..ثم عمل على سيارة تكسي..وقد رزق
المرحوم من "أم جمال" إبنة واحدة كانت تدعى " جميلة "..
عاش المرحوم في صير الشرقية فترة من الزمن..وكان يسكن خيمة شرقي القرية..قرب
الصبرات..في الجنانة الصغيرة التي كانت تقع ـ آنذاك ـ خلف بيت العقد الذي كان
مملوكا للمرحوم / محمد يوسف الشري "أبو فهمي"..والجنانة على ما أظن كانت ملك
المرحوم الخال/ صالح الزعرور..وبعد الخيمة بنى المرحوم /ابوشكري سقيفتين من الطين
والواح الزينكو..وبقي في ذلك المكان فترة لا بأس بها..إلى أن اشترى لاحقا قطعة أرض
صغيرة في "صير الغربية" ..وبنى له ولأسرته بيتا هناك..وعليه صيرة صغيرة كانت مربطا
للجمال التي يملكها(غالبا ما كانا جملين)..والبيت المذكور يقع على يمين المتوجه من
البلد الى الغرب..غربي بيت المرحوم/أحمد الهنطش"أبو محمد"..ومقابل بيت المرحوم
الأخ/ شريف محمود الحسين "أبو يوسف" ..
منذ ان وصل المرحوم/أبو شكري الى القرية لم يغادرها إلى مكان آخر..بل استقرّ فيها
واستوطنها..وارتبط مع الأهل بروابط قوية..فأصبح وكأنه واحد من أهل البلد..يشارك
الناس أفراحهم وأتراحهم..وكان ـ رحمه الله ـ خلوقا ..ولم أسمع أي يوم أن أحدا اشتكى
منه أو من أحد من أفراد أسرته..بل على العكس فقد كانت علاقاته مع الجميع
متينة..ومبنية على الاحترام المتبادل..وكذلك كانت زوجته "أم جمال "..وابنه /شكري..
ومن باب " الشيء بالشيء يذكر" ليس إلا..فقد كانت /أم جمال عصبية المزاج..وكانت تربي
في البيت عددا لا بأس به من طيور الدجاج..فكانت تثور وتعصّب على الأولاد الذين
يحاولون أن يؤذوا دجاجاتها.. وقد قامت ذات مرة بزيارة لأهلها في قلقيلية..ولما عادت
وجدت أن الدجاجات والديوك ناقصات.. فغضبت وصارت تقول ــ على ذمة الرواة ــ رحت وكان
هناك 40ديك..ورجعت وما لاقيت ولا ديك..والله لأخللّي القِرد يوقف على ذنبتو..ثم
تختصرها وتقول: 40 ديك ولا ديك.. والله لأخللي القرد يوقف على ذنبو..أما كيف بدها
تخللي القرد يوقف على ذنبتو؟؟ هذا الذي لم نعرفه!!
لقد كان المرحوم يملك جملين..وكان يقضي عليهما مصالح لأهل القرية ..كإحضار الماء
لأعمال البناء ،نقل المنتوجات من الخضار والبطيخ ،إلى الطريق العام ـ قبل إنشاء
طريق السيارات للقرية ـ حتى يتمكن الأهل من نقلها للبيع في أسواق المدن
القريبة..ولكن أكثر ما كان الجملان يستغلاّن فيه ،هو "الشّيل" وهو نقل القمح أو
الشعير بعد الحصاد ، من الحقول إلى البيادر ، لتتم عملية دراسته، واستخراج الحبوب
منه..وقلنا في موضوع آخر نانه كان هنا جمل آخر للمرحوم/أبو محمود الحارثي يقوم بنفس
المهمات..ولكنه كان لفترة قصيرة..وأذكر أنه كان هناك أيضا عدد من الجمال مملوكة
لبعض الأسر في القرية..ومنها جملان ملك المرحوم/الحاج عبد الرحمن الشري"العبد
حسن"..ومن أجل ذلك كان عندهم " الليوانان" في الدار القديمة..عند بير علقمة واللذين
بنيت فوقهما العليّة ، التي كان يسكنها المرحوم/ أبو أحمد وزوجته الثانية المرحومة/
زريفة محمود الشري(أخت المرحوم أبو رشاد) ولم يرزق منها بأولاد..وكانت زوجته الأولى
المرحومة العمّة/ الحاجة حِسِن، والتي لم ترزق منه إلا بولد واحد، هو المرحوم/ أحمد
"أبو الراتب"..
وأظن كذلك ،ان المرحوم/إبراهيم الشري كان يملك جملا هو الآخر..وكان يستخدم لنفس
الأغراض..ولكن في فصل الصيف،وفي موسم الحصاد(أيام الخير، وأيام الفلاحة والحراث)
كانت هذه الجمال لا تكفي..فكان الأهل يستقدمون جمالا من القرى المجاورة..وأذكر
واحدا منها كان يملكه المرحوم/ حسين القيوي "أبو لطفي" من قرية حجة..وهو للعلم
نسيبنا، وزوج شقيقتي المرحومة/مريم "ام لطفي"..
هكذا عاش المرحوم/أبو شكري وأسرته في القرية.. وكان كثيرا ما ينقل حمولات قمح أو
شعير لبيعها في قلقيلية..وكان رحمه الله يحضر من قلقيلية البرتقال..وكثيرا من
الخضروات الأخرى..وخاصة الملفوف..وكانوا يحضرون ورق الملفوف المقطّع من
قلقيلية..والذي كانوا يستخدمونه طعاما للجمال..فهي تحبه كثيرا..وعندما كان المرحوم
ما يزال يسكن في صير الشرقية..فقد كان مربط الجمال عند الصبرات..تحت دار المرحوم
العم/مسعود الحسين : أبو فخري"..وكانوا كثيرا ما يقدمون للجمال ألواح الصبر..
بقضّها وقضيضها وشوكها..وكانت الجمال تلتهمها كما يلتهم البني آدم البسكويت ..أو
ألواح الكيت كات..فالله سبحانه وتعالى..قد زود هذه الحيوانات بمميزات كثيرة..منها
القدرة على تحمل الجوع والعطش..والعيش في مناطق حارة..وقد كانت الجمال هي الثروة
الحيوانية للبدو في الصحاري..وقد أطلقوا على الجمل مسمى" سفينة الصحراء" لأنه
يستطيع السير فيها دون ان تغرز قدماه في الرمال.. بسبب طبيعة "الخُفّ" التي وهبه
الله إياه..وهناك ميزة أخرى..حيث أن لعابه له القدرة على التعامل مع أشواك النباتات
التي كان يتناولها في الصحاري..وكذلك أشواك الصبر القاسية..وأذكر أن الأهل كانوا
يستخدمون لعاب الجمال..لمعالجة تلك الأشواك التي كانت تنغرس في أياديهم عند تعاملهم
مع ألواح الصبر..حيث كان لعاب الجمل يقتلها ويزيل أي تأثير لها.(لا نريد أن نخوض في
أحاديث متشعبة عن الجمال فالحديث ذو شجون..وهناك الكثير عنها سنورده في مكانه إن
شاء الله لاحقا).
نود أن نشير هنا إلى أن /شكري ـ الإبن البكر للمرحوم..كان لطيف المعشر..وكان كثير
الاختلاط بشباب القرية..وكان يتحمل مزاحهم معه مهما كان ذلك المزاح ثقيلا..لانهم
كانوا يزوّدونها شوية معاه..فقد كان ــــ على البركة كما يقولون ـــ وله مواقف
كثيرة وقصص متنوعة..وخاصة أثناء ما كان مشاركا ــ رغما عنه ــ في دورات التدريب
أيام الحرس الوطني مع شباب القرية.
وحيث أن القرية كانت تعتبر من قرى الخطوط الأمامية.. بحكم قربها من خطوط الهدنة مع
إسرايل..فقد تقرر آنذاك تدريب شباب القرى الأمامية على السلاح(وأنا تدربت
معهم)..وتزويد كل قرية بعدد من البنادق من أجل الدفاع عن نفسها( وللعلم فقد كان
التدريب أي كلام..وكانوا يسلموا الشاب عددا من المقاذيف "الفشك"..ويا ويلو ويا سواد
ليلو لو طخّ فشكة على يهودي..وإذا حصل كان يشوف الويل..وإذا ضيَع فشكة كان يدفع
حقها 9 قروش(أجرة شغل ظهرية)..ومن المدربين الذين دربوا شباب القرية كان هناك
المرحوم/ أبو أحمد الحلبي ..وكان برتبة "شاويش"..وكان رحمه الله دمث الأخلاق..ومن
أطيب الناس معدنا..وقد سبق وان ذكرنا أنه شارك في معركة مركز قلقيلية عام1956 وجرح
فيها..وكان كثيرا ما "يعصِّب" على شكري وعلى بعض الشباب بسبب عدم إجادتهم لتنفيذ
التعليمات والإيعازات المختلفة..مثل إلى اليمين دُر"دور" أو إلى اليسار در ..أو إلى
الخلف در..أو راقدا عمّر...الخ وكان لما يزعل على شكري..يأتيه من الخلف ويضربه بيده
"بوكس" على رقبته..فيميل شكري للأمام..ويدفع كل من يقف أمامه في الطابور..كيف لما
تصف حجارة الدومينو قرب بعضها..ثم توقع واحدا منها ..حيث كان يوقع غيره..وهكذا كان
شكري.. وعلى ذكر الحرس الوطني..فقد كان يحرس الواحد 30 ليلة صيفا شتاء..في الحر
والبرد ومية الشتاء للزنّار..ويا حسرة كان المعاش "نيرتين" دينارين..ولما الواحد
منهم كان يروح يقبظهن ..كانوا يقبظوا 197 قرشا قفط نفط"لا غير "..لأنهم كانوا
يخنصرون 3 قروش طوابع..لكن لمين الطوابع ؟؟ ألله أعلى وأعلم..وأظن أنها كانت لجياب
الحبايب..من هون 3 قروش..ومن هون قرشين.. وشعرة على شعرة بتصير لحية..صار عندهم
قروش وشلونة ونيرات..وبنوا قصور وعمارات..يعني الله وكيلكم من زمان زمان واللهط
عندنا (عند بني يعرب) قايم.. وصدقوني إنوكان هناك بنطلون "خاكي أو كاكي..على وزن
بيكاكي..وكان ماركة العبورة..عفوا " الخاروف" وكانت الماركة هاي مشهورة..لأنها من
صنع دار الخاروف من نابلس..وعلى فكرة مثل ما كان هناك دار الخاروف..برضو كان هناك
عيلة إسمها دار العبورة..ويا نيالو اللي بيصح لو يشتري بنطلون من هذيك الماركة
..كان حق البنطلون (والله العظيم ) 197 قرشا..يعني شقى وتعب واحد حرس وطني على داير
مندار 30 ليلة !! شوفوا قديش كانت العيشة صعبة علينا!!! الله يسامحكو يا ولادة
اليوم شو مدللين.. ويا ريتو عاجبكم !!
لقد سبق وأن عرضنا لذكر المرحوم/ أبو شكري عندما تحدثنا عن المرحوم/ محمود
العايد..وقد انتقل أبو شكري إلى رحمة الله ..في قريتنا "صير"..ودفن فيها..وقد دفن
في جنانة التينات التي تخص دار المرحوم/ محمود الحسين في ظهر الخربة..والمدفون فيها
المرحومون(محمود الحسين/ العبد هنطش/حسن محمود الحسين/ فهيمة حسن الصالح "زوجة
المرحوم أبو فارس/ عبد الجبار محمود الحسين "أبو جمال" وزوجته المرحومة حليمة"أم
جمال"..ولا أدري إن كان هناك غيرهم أم لا ..رحمهم الله جميعا..ورحمنا معهم
آآآآآآآآآآمين..
وما يزال بيت المرحوم/أبو شكري قائما..وبقية أسرته ما يزالون يعيشون في القرية..
حتى تاريخ تدوين هذه المعلومات ــ يوم الأحد 27/01/2008..
|