ذكريات مع الدجاجات ..
كلنا يعلم اننا من بلد عزيز علينا،وأن أهلنا كانوا
فلاحين،يعملون في الزراعة وتربية المواشي والطيور،والحقيقة انك لم تكن تجد بيتا
يخلو من الدجاج الو الحمام او الحبش او الأرانب،والدجاج كانت أمهاتنا يربينه
بأعداد كبيرة، وهو واحد من مصادر الدخل المهمة،فقد يباع طيورا في المدن او للأهل
في نفس القرية،وكذلك يستفاد من كميات البيض التي كان ينتجها،تباع وتستخدم النقود
في شراء كثير من الحاجيات،أي انها هي الأخرى مصدرا للدخل،وكان الدجاج أيضا يستخدم
غذاء للفلاحين عندما لا تكون اللحمة متوفرة او من الصعب شراؤها بسبب قلة ذات
اليد،والبيض بلا شك كان يستعمل غذاء ايضا وباشكال مختلفة (مقليا/مشويا/ أو على
شكل مقلى/ أو مسلوقا)..يعني بدون إطالة كانت الدجاجات هامة جدا في حياة الفلاحين...وكانت الأمهات يبنينبيوتا خاصة للدجاج ،وكان الواحد منها
يسمى( الخمّ).. وفي الليل نحشر فيه الدجاجات والديوك،ونسكر الباب بعدد من الحجارة
،بحيث لا تترك فتحات كبيرة تخرج منها الجاجة،وفي الصباح كانت الحرمة تفتح باب
الخم،وتمسك الدجاجات وحدة بوحدة،وتفحصهن إذا كانت الجاجة (حاملة) ببيضة ام لا،
وطريقة الفحص أظنكم كلكم تعرفونها(وللذي لا يعرفها كانت الحرمة تتحسس قفى الجاجة
بأصبعها،وكانت على طول تعرف الحامل من غير الحامل!!! منشان تعرف اكم بيضة راح
تحصلها في ذلك اليوم، ومن هذه الطريقة ،ولما كان للبيض من اهمية كنا نراقب الجاج
الذي يودّر (يبيض بعيدا عن الخم
كان في بعضهن يودرن ( أي لا يبضن في الخم ).. بتروح الوحدة منهن بتزرق لها زرقة.. بتدور لها على أضيق مكان تحت
صبرة او تحت عراق.. وبتمزط البيضة.. وبتطلع وماحدا شاف حدا..وبتصير الوالدة تطالب
بمراقبة الجاجه اللي بتودّر.. وكان الواحد منا يعمل برج مراقبة لمدة 4 او5 ايام..
مراقبة من بعيد لبعيد.. لأنها لو حسّت ملعونة الوالدين البعيدة ان احدا يراقبها فلن
تذهب الى المكان الذي تبيض فيه.. واذا انزنقت بتفضل تمزطها على البلاط وين ما
كان
ولا بتخليك تعرف مطرحها.. المهم كانت المراقبة احيانا تزبط.. ونتواحاها من هان
لهان وهي ماشية وبتتشنن( تتطلع يمنة ويسرة ) لتتأكد ما في حدى بيراقبها.. وبجوز
المشواراللي مسافته 10 تمتار(أمتار) كان يستغرق 3 او 4 ساعات.. وندوبح ( يعني نحني ظهورنا) تحت الواح الصبر.. والواحد يمكن تغزّه ( تدقّه
) 100 شوكة وهو ملاحق حريقة الحرسي ..ولما نوصل نلاقي المدحاة ( مأخوذة من الدحوة اي البيضة.. من
اللفظ القرآني : والأرض بعد ذلك دحاها..أي جعل شكلها كالدحوة ..بيضاوي.. ومكان وضع
البيض سمي مدحاة.. كما نقول ملهاة.. نعني بها مكان اللعب واللهو..) المهم كنا ننبسط .ِوننبسط ؟؟ ننبسط قليلة .. بكينا نرجع "مزغدمين "..
والله برضو ما بعرف معناها.. بس من الحكي يعني اظن انها مبسوطين ++ وما ان ترى
الوالدة البيضات حتى تكاد تطير من الفرحة.. وتقول واسارير وجهها
مفرودة ..اسارير يعني تقاطيع..! وكان الواحد يحصل له
بيضة كاملة!! يهوّد فيها على دكانةأبو فتحي
الحاج اسماعيل (الله يرحمه ) العتيقة.. منشان 3 حبات
حامظ حل!!.
بيض بنيّة التفقيس..
لقد كنا نحب الدجاج،ونفرح بهذا الكائن المحسوب على دني الطيور رغم
ثقله وقلة طيرانه،وكانت الأمهّات كثيرا ما يناديننا لنقوم بعلفه في صباح كل
نهار،ونملأ حروجنا بحبوب القمح او الشعير او الكرسنّة،وننادي على الجاجات بصفير
مميز،وبعض كلمات اخرى يعرفنها ويفهمن معناها(تيعا تيعا..الخ) وكانت الله وكيلكم او
ما تشوفنا ثانيين الحروج، يلتمين ويبلشن ينقرن في بعض، وهذي تزق اللي جنبها وتلك
تنقر رفيقتها،خاصة اذا كانت هناك بعض الدجاجات الغريبات،واللآ تعال اتفرج لما كانت
بعض الحمامات تتجرأوتحاول مشاركتها ـفما كانت تسلم هي الأخرى من الدفش والنقر
والمواحاة(المطاردة الجادة) وكنا نقوم بكبش الحبوب من الحروج او مرات من القبعة او
الترويج،ونرسقها للدجاج في الحوش أو قريبا من الخمّ(ولا أبالغ أن الأمهات كن يهتمين
كثير في الجاجات ويحرصن على تقديم وجبة الإفطار لهن اكثر من حرصهن علينا ،عشان
الجاجات مصدر من مصادر الدخل الهامة)وكانت هناك بعض منهن عنيدات وحريكات والدين، ما
بيعجبهن العجب ولا الصيام في رجب،وبنهرين اثمامنا واحنا بنصوفرلهن ولكن لا حياة لمن
تنادي،وكن دائما يقفزن عن السياج ،للتسكع في حواكير(Hawacheer) الجيران،ونبش سطح
الأرض بحثا عن بعض الحبوب او ديدان الأرض.
وكم كنا ننبسط ونحننحاول تفتيش الخم منشان نشوف إذا كانت هناك بعض البيضات التي
مزطتتها إحداهن في الوردية الليلية،وما ان تلوح لنا بيضة او اكثر حتى نزحف على
البطون،وشو ما صار للثوب يصير،حتى لو تمرمغ بورس الجاجات الطري (الله يعزكم) لكن ما
دام جبي للوالدة اكم بيضة فلن تعاقبك على توسيخ الثوب المالطي.وكانت البيضات
تلاقيهن دافيات(مزط الصبح).
وكنا كثيرا ما نحاول سلق البيض،وكنا نحط معاه ورق بصل عشان قال ما تنطبش
البيضة،وكمان عشان نلونها باللون الوردي،وعلى فكرة كان هناك ما نسميه"خميس البيض
وطبعا خميس يعني نسبة الى يوم الخميس وليس نسبة الى المرحوم/خميس ابو صالح) وفي
خميس البيض اللي بيحل اظن في بداية شهر نيسان،كنا نسلق البيض ونحط معاه زهر "
البسوم" الأصفر برضو عشان التلوين قفط عفوا فقط لا غير،لكن مهما لونا القشرة من
الخارج بتظل البيضة من جوّة مثل ماهي،وعشان هيك قالوا:" شو تعمل الماشطة في الوجه
الشنع" يعني لو الوحدة البشعة لو بتحط على وجهها نص طن مكياج من اشهر الماركات بتظل
هي هي ،وهيك البيضة شو ما لونت قشرتها بتظل من الداخل بيضة (يا عيني علي والله
عرفتها لحالي).
والبيض استعمالاته كثيرة لسنا هنا بصددها احسن يزعلوا الإخوان اللي ما بدهم
تراس،قصدي تراث بس زلة لسان بحرف الثاء، ومن طرق طبخ البيض قليه على شكل"عيون" ولما
كنت تحط لك بيضتين واللا ثلاثة في القلاية، وتقليهن بزيت الزيتون،ويكونوا على شكل
عيون جاحظة،تحملق في وجوهنا طجويلا،ويا اللللللللللللللللللله قديش بتنبسط وانت
ابتفقي(تفقأ) بؤبؤ تلك العيون الوقحة!فيسيل الصفار الجميل،في وسط القلاية,وبتصير
بعدين تغت اللقمة فيه،ولما بترفعها وبدك تلتهمها،بتلاقي جزء من الصفار صار
مسرسح(سايل9 على أصابعك ،وما في إلك مهرب غير إنك تلحوس اصابعيك مثل البساس الميتة
من الجوع!!
ومين منا اللي بينسى ذلك الديك الملعون،ابو العرف الأحمر المرتخي على جنب، والأخ
متعلقن فيه،وماشي بيتقمّز، وبيدور له على صيدة،يتيه بريشه الملون البهيّ، وبينما
انت تراقبه،كان فجأة ينقض علىإحدى الدجاجات،والتي لم تكن تجد مفرا من أن تنيخ
له،فيعتلي صهوتها مزهوّا،ويشد بمنقاره الصلب ريش عنقها!فترتسم على شفتيك ابتسامة
الفخر بديكك الحبيب القوي،وما ان يترجّل عنها ،حتى تقوم المسكينة متثاقلة،وتنفض
نفسها،ثم تمضي الى غايتها،تنبش التراب،باحثة عن حبة قمح،أو عن دودة أرض،وكأن شيئا
لم يكن.
أم موضوع العنوان ( بيض بنيّة اللآتفقيس) فهو البيض الفارغ،الذي كانت الأمهات
والجدّات يخدعن به الدجاجات،وكانوا يسمّونه (مكنّة) والكاف تلفظ باللهجة
الفلاحية(تش ch)،وذلك حتى تظنه الدجاجة بيضا،فتبيض هي عليه،حتى يصبح عدد البيض ما
بين 15 ــ 20 بيضة،فترقد الجاجة عليه و(تكنّ) أي تهدأ،ولتفقس البيضات بعد انتهاء
الفترة المحددة(حوالي 21 يوما)،وتخرج الكتاكيت (الصيصان)التي تبشر بموسم
جيد،وتمتلىء الدار بالجاج والمقاقاة،وهكذا دواليك. ترى ما هي (المكنّة) التي
نحتاجها وما هو حجمها حتى نضعها لأولئك الذين يغردون خارج السرب،والذين يودّرون
ويبيضون خاج أسوارنا،من أجل ان يبيضوا في خمامنا،ومشاريعهم التي يقومون بها في
الخارج تفقّس في وطننا، من اجل نفعنا..ألم نشبع بعد مقاقاة على الفاضي؟؟!!
على فكرة،فإن كلمة (مكنّة) عربلية فصيحة ،وهي من (كنّ يكنّ ،أي هدأ واستكان) وأظن
ان الجميع منا قد قالت له أمه أو قال له أبوه يوما عندما كان يتشاقى او يلح بطلب
شيء ، فقد كان يقال له : يا ولد (كنّ / تشّ9 يهني اصبر او إهدأ..
المرحومة الحجة حسن (أم أحمد
أبو الراتب الشري )، كانت الحجة حسن
تخرّج( بتشديد الراء)عن المصيوبين بالعين بعيد عنكم، فلما كان يبقى في ولد او بنت
او حتى الشباب حلوين وملزلزين( الصحة مليحة)، كان يمكن حد يلطشهم(مش يسرقهم) بل
يطرقهم عين، يا حسرة عليهم يا كبدي، بكى الواحد منهم يطب من طولو(العرض ما كان يصير
الو اشي بس الطول)ويختلف وتصير حالتو حالي ما يعلم فيها غير الله سبحانه
وتعالى،ويحتارالأهل فيه،وعلى طول ودوز دغري (يعني بخط مستقيم) يوخذوا المصيوب
بالعين عند الحجة حسن، طب شو بكت اتسوي ياحزركم؟ ما عرفتو؟ انا راح اكول الكم، بكت
الله يرحمها ويعفي عنا وعنها تشيل التشساية( الخركة
اوالبفتة على رأي كرايبنا الجيايسة) تشيلها( مش مثل شيل الكمح من القل على البيدر
على الجمال، لأن تشيلها يعني تكيمها عن راسها ، بس ما تظل مفرعة( متشوفة اراس)
لأنها بكت اتخلي على راسها طاقية مغطية الشعر، والطقية ملونة يا اللللللا مبقين
طواكي اماتينا
ما احلاهن! طب شالت الخركة وبطبيعة الحال فان اهل المعيون لازم يوخذوا
الموضوع بالقبول والتصديق وإلا فان الموضوع ما راح يزبط..بس كان يزبط .. ويطيب
المعيون.. ويرجع عال العال و24 قيراط.. وقد يقول واحد : طيب شو الحجة ام احمد بكت
تتكاظى مكابل هاالتخريجي؟ وانا اكول لو والله بكت توخذ الصلاة على النبي عليه الصلاة
والسلام.. بكت تعمل هالعمليات لوجه الله تعالى.. واجرها على الله.. وكل الناس بكت
تكول انو ايديها مبروجات والحمد لله.. الله يتغمد روحها الجنة ان شاء الله.. وهاي
كانت الحياة البسيطة الحلوة اللي الناس كانوا عايشينها ..سقى الله على تلك الأيام
!!!!
على فكرة ذكرنا خلال الحديث كلمة شبر وفتر وقراريط.. وهذه كانت وما تزال تستعمل في
القياسات والأوزان.. يعن ي كان الواحد لما بدو يوصف طول نبتة او شجرة كان يقول :
صار طواها بيجي شبرين.. او شبر وفتر.. بس عاد المشكلة شبر مين ؟ وفتر مين ؟ مش كلها
زي بعظها.. هساع تكنعوني ان شبري ان او فتري هوا نفسه شبر او فتر المرحوم الج
عبدالرحمن ابو هنطش او ابنو ابو توفيق الله يرحمو ؟؟ مش معكول.. بل من سابع
المستحيلات..
ورغم هذا الحكي كانوا الناس يتعاملوا بهاي الطريقة.. وكانوا يشتروا المي من بعظهم
بالشبر والفتر والقيراط.. والقيراط هو عرض أصبع اليد.. وبكى الواحد يقول والله
اشترينا فتر مي من دار ابو فلان.. وفي نفس الوقت كان واحد ثاني يشتري من نفس الشخص
شبر مثلا.. وواحد ثالث كان يشتري 3 او 4 قراريط .
المرحوم
الحاج عبد الرحمن أبوهنطش(أبوالعبد)وكان
يسكن في الدار العتيقة التي لها نفس المدخل اليوم (حسب ما بعرف انا)،ولم تكن الغرفة
التي بناها
ابنه ابو السعيد قبل سنوات،ولما كنا ندخل من الباب الرئيسي من الزقاق،
كان يقابل الداخل الرواقات التي تستخدم لمبيت الثروة الحيوانية، وعلى يمين الداخل
ومقبله سقيفة المرحوم أبو رشاد/الطاهر، وعلى اليسار السقيفة التي كانت للحاج
عبدالرحمن والمرحومة
زوجته(حليمة السلحبية)وهي من كفرجمال من دار ابو سلحب، وكانت
تعاني من ضعف النظر..
وقبل ان نسرد قصةالحاج ابو العبد مع التراث نقول: من زمان كانوا الناس لما
يرشحوا(
مش الترشيح للانتخابات بل الرشح يعني الزكامـ الفلونزّة على رأي أحمد بدير في مسرحية
ريا وسكيننة) كانوا يجيبوا شوية سكر ويحطوهن على النار ، وطبعا ينحرقن ويطلع منهن
دخنة،يقرب الواحد وجهه من الدخنة ويستنشقها
فأذا مجرى الخياشيم،
عفوا
المناخير تتفتح، ويصير يتنفس عال العال.
الحاج ابو العبد الله يرحمة، كان يسمي الرشح (سكاوي او سقاوي)وخاصة اذا كانت
للدواب أجلكم الله،وذات يوم من ذات سنة في اوائل الخمسينات كان
عندالحاج "كرّة" شاف الحاج ي في يوم من الايام انو الكرة مش ولا بد،ونفسها مسدودة عن
الاكل، ودايما مناخيرها بتسيل، فقال:الكرة عندها "سكاوي" ويمكن بالهاء وليس بالياء،
طب شوالعلاج؟راح الحاج ابو العبد وجاب تنكة كاز(صفيحة)فارغة، وملاّها شرايط وخرق
كديمة وولع فيها النار، بس مش نار مهذربة(شومهذربي يعني؟)وكانت تطلع ريحة مثل ريحة
العطبة، و ألله وكيلكم ومحمد كفيلكم هذي القصة كنت شاهدا عليها
وأكتبها وكأنني اقف
هناك يوم حصلت، المهم الطبة والخنة طالعة،سحب
الحاج ابوالعبد
الكرة ودسّ(حطّ) راسها
في التنجة،وبلا طول سيرة كان كل شوية يقول" هذي عندها سكاوين وهاظا
دواها،وراحت
الكرة ماتموت،لولا لطفالله.وكانت مقولته المشهوره عند الغضب من
احد ( كوم كامت كيامتك وانتصب ميزانك البعيد) كان يخرجها بتنغيمة رائعة
ومحببة ولا يمكن لأحد ان يجيدها سواه. كان في عندو الكرة
اللي حكينا عنها، وكان يحط عليها
مشتيل الحديد وكلنين(جركنين لونهما
على صفار)وينزل
عشان يملي مي من بير صير، وكان على الغالب يهود من طريق العقبة من عند شقيف العبد
وزتونة حسن وكانت الكرة مرات من لسع الذبان(بعيد عنكم)
تصير تتحكوك وتتهنطز
كان يصرخ بها
بقوله:هشهشّززابو مزراك اللي يوخذك يا بعيدة).
المهم كان يصل البير ، وينشل هو بنفسه،وقد ذكرت سابقا انو لما كان ينشل عمر الحبل
ما تغرك ولا تبلبل بالمي ( وكلمة تبلبل مش صار مثل البلابل اللي بيغنين عالشجر: صاح
البلبل عالرمّان اسمعتو في الليل يغني)،
، نعم كان ابو العبد الله يرحمه ينزل الرتشوة في البير ولما تنتلي يرفعها، فكان
يرفع الحبل بيد مثلا اليسار،ووين ما بكى يوصل يمد إيدو اليمين ويتشبش الحبل ويرفع
لوين ما يصل، وهكذا وما بكى يرمي الحبل على المي، ملما يمسك بالرتشوة يدير في
الجركانات حتر يمليهن للطفطاف، لعند الحلك، ويشد هالغطيات عليهن، وكان الله يرحمه
في احيان كثيرة يحملهن في المشتيل لحالو، ويروح...
*المرحوم /الحاج يوسف الشري"أبوالعبد"..وهو
والدا للمرحومين أبوخليل وأبو فهمي رحمهما الله، بالإضافة الى ما يتمتع به الله يرحمه
من امكانات بدنية
ومعلومات في الزراعة ومعرفة متواضعة في علم المواسم والفلك(وهذا
حقيقة وليس ادعاء )كانت عنده مهارات اخرى منها
مهارة "اللجام".. واللجام هنا ليس
الحديدة التي توضع في فم الفرس او الحصان من اجل كبح جماحهما"بالله عليكم هالتعبير
ما هو على كد حالو؟".. المهم هذا اللجام كان يعني لجم الحيوانات البرية المفترسة..
ومنعها من إيذاء الغنم او اي نوع من الحلال اذا تاخر في المرعى ولم يلحق
بالقطيع..يعني كان الرعيان او اصحاب الحلال يروحوا في الليل على دورهم..ولما يوصلوا
يتفقدوا النعجات او العنزات او البقرات.. وهوب وغلا راس او راسين اعجبتهم السهرة في
اللشلون او واد ابشير او عند الجهير تحت عرنين دار حمادي او في المراغة قبالة واد
دار ابو هنطش او تلا حرايق الحبسة او تلا واد ابو خزّق واللا واد ابو ليلى او..او..
والله العظيم عارف اسامي كثيرة وحافظها عن ظهر قلب.. بل محفورة فب الذاكرة ولن تنسى
ابدا..
المهم قلنا في اكم راس متأخرات خاصة في فصل الصيف قلناان بعض الأغنام كانت تتأخر في
المرعى.. وكانوا اهلهايرجعوا يدوروا عليهابس منين يلاقوهااو يشوفوها والدنبا في بعض
الليالي بتكون مثل الكحل، والواحد ما بقدر يحك اصبعوا(والحك هنا مش الحتش الحتش
يعني الهرش..لا مبيحك يعني مابيحق.. يعني ما بيشوف اصبعوما بيكشع ما بيطس لا
يرى)..وحتى في الليالي المقمرة كانوا يروحوا ويروحوا بدون فايدة ( يروحوا الأولى
تعني يروحوا يعني يذهبون،أما يروحوا الثانيةفهي بتشديد الواو يعني يعودون
للدار)،المهم كانوا يرجعون إيد من ورا وإيد من قدام..طيب والحل؟ يصيروا يستتوا
ويخمسوا..والحلال بيعز على اصحابه،ولما تضيق بهم السبل،وفي وساع الوقت وقبل ماواحد
من الكواسر يدق رقابهن كانوا يروحواعند المرحوم/الحاج يوسف الشري..ولازم يكون معاهم
موس فكّاس(كبّاس)قرن غزال..السلام عليكم يا عم ابو العبد..الله يمسيك
بالخير،فيرد:وعليكم السلام، يا مسا الأنوار، حياكم الله، شو الحجاية؟فيشرحون له
الموضوع، فكان يتناول الموس الفكاس ويفتحه، يعني تصير النصلة برة، ويأخذ أبو البد
يتمتم، ويقرأ بعض آيات القرآن،وعندما كان ينتهي كان يناول الموس للذي احضره
ويوصيهبعدمالعبثاواللعب فيهوإلا بتخرب الللعبة..ويقول له : روح خبي الموس في مكان
أمين للصبح، وكانوا فعلا يخبون الموس وما حدا يفتحه، والصبحيات كانوا يروحون الى
المرعى ،ووالله كانوااحيانا كثيرة يجدون النعجة او العنزة مكيلة(مش من الكيل
والميزان بل تعني مقعية..طاعجة حالها ) وتجتر،وبالقرب منهاذئب اوضبع او واوي مقعي
هو الآخر قريبا منها وما هو مادد إيدو عليها..(وهذا هو اللجام الذي كان يمارسه
المرحوم أبو العبد)وكانت الناس تأخذه بالقبول والتصديق المطلق.. وكانت تزبط معاهم
،وعلى النية ( يا اهل النيات سيروا حسب نياتكم ترزقون )
ومادام الشيء بالشيء يذكر، فإن المرحوم ( حسين أبو العبد)، كان يزرع مقسم دار
خاله /الحج عبد الرحمن الشري ابو احمد اللي عند النزازة كان يزرعه مكثاة (بطيخ/
فكوس/ تشوسا..الخ، وكان قبل ما ينام يلف حوالين المكثاة ويقراماتيسر من آي
الذكرالحكيم،وفي الصبح لما النواطير يقعدوا من النوم يلاقوا مكاثيهم حرثتها
الواويات،أمامكثاتو ماكان في واوي ابن واوي طابب فيها او مقرب عليها، وكانو
يستغربون ذلك..وعلى فكرة كان هو لما بيلف حوالين المكثاة كان يلف من جوا، وبعد ما
يلف مايطلع برات المكثاة،وطبعا اشتغلت الغيرة ( ولولا الغيرة ما حبلت اميرة
يما..طيب ليش؟)، المهم في ذات مكثاة وفي ذات للة من ذات عام،ألجم ابو العبد على
المكثاة كالعادة، وأركن الله يرحمه ان الأمور عال العال، ولكن يظهر ان احد النواطير
الجيران خللى ابو العبد لمنو غفي وراح اتسلبد(عارفين معناها)ونسّ شوية شوية ودخل
الى المكثاة تبعت ابو العبد وطلع، وراح حط راسوا وانجعم على هالبطنيةالملزقة في
الارظ، قام ابو العبد الصبح بدو يوخذ على إيدو مي منشان يتوظى ويصلي وعينيتشم ما
تشوف الا النور،لاكى المكثاة محروثة ،حارثاتها الوويات..والسبب الحسد
وذيكةالعين،حمانااللههوإياكم،الحج يوسف الله يرحمه كان معروف انو ايديه ملزمه
وبيكولوا كان يضرب الدواب اجلكم الله بالنير وهاي الكصه صارت مع العم ابوعمر(ارشيد)
الله يحفظه لما كان صغير خلع مكثاة عبدالله الزعرور الله يرحمه طبعا الحج ابواحمد
(عبدالله الزعرور) اشتكي للحج يوسف سيدو للعم ابو عمر وشو بدكم من طولت السير الحج
يوسف رجز حالوا عند علقمه ولما اجا ابوعمر كلو هات ايداك ياسيدي كومني طبعا العم
ابوعمر يا غافل الك الله بدو يساعد الحج مد ايدو قربط فيها الحج يوسف (والحج الله
يرحمو كانت ايدو ملزمه اذا ما فلتك تحاولش تفلت) طبعا مسكو بإيد والإيد الثانية
بيدو محجانة (آسف عصا) ومن تجيك السلامه يا حبيبي ( الف تحية للعم ابوعمر والله
يرحمك ياحج يوسف).
المرحوم:محمود
الحسين/ أبوشريف
الحرب العالمية الأولى1914ـ1918
..الحرب؟؟؟؟!!..هي كلمة.. والويل كل الويل من هذه الكلمة..حروفها قليلة
ولكنها..دمار كبير..قتلى.. جرحى..تخريب.. تشريد..وهي نزاعات تصل الى حد الصراعات
المسلحة.. تنشب بين قوتين اثنتين.. او بين قوى اكثر.. وذلك سعيا ال تحقيق اهداف
سياسية او اقتصادية او توسعية.. او من اجل بسك نفوذ.. ودائما المكتوي بنيرانها هم
الشعوب الأبرياء..وما من شك في ان كل الأطراف المشاركة في الحروب خاسرة..حتى
المنتصرة منها.. والتي ترهقها تكاليف الحرب.. وأود أن اشير الى تلك المعارك والحروب
التي نشبت في الماضي بين القبائل العربية في جزيرة العرب.. بسبب الماء والكلأ..
ولأسباب أخرى واهية.. والتي دام بعضها لسنوات طويلة.. واكلت الأخضر واليابس.. وقد
سميت في التالريخ ( أيام العرب ).. ومنها على سبيل المثال : حرب البسوس بين (بكر
وتغلب) وهم ابناء عمومة.. وحرب داحس والغبراء بين (عبس وذبيان)..
وبسبب شدتها وما تخلفه من آلام..فهناك مثل عربي يقول ( إلك عندي يوم من أيام العرب
).. يقوله انسان يتوعد انسانا آخر بما سيسبب له المآسي والآلام.. ويعود عليه
بالخسران ..والحرب العالمية الأولى سميت كذلك بـ ( الحرب العظيمة ـ ..وسميت كذلك بـ
حرب إنهاء كل الحروب أما سبب نشوبها فكان اغتيال ولي عهد النمسا في سرييفو على يد
رجل صربي..ونشبت بين دول الحلفاء وهي:( صربيا/
روسيا/فرنسا/بلجيكا/بريطانيا/اليابان/الصين/البرتغال/ إيطاليا) من جهة..وبين دول
المحور وهي: ( ألمانيا/ النمسا/ بلغاريا/ الإمبراطورية العثمانية ).. من جهة أخرى.
* إيطاليا انضمت للحلفاء عام 1915..
*أمريكا قطعت العلاقات مع المانيا ودخلت الحرب عام 1917 بسبب إغراق المانيا للسفينة
الامريمية ( لوزيتانيا)..
*انسحبت روسيا من الحرب سنة1917 بسبب الثورة البلشفية..
* انتهت الحرب بهزيمة دول المحور.. ووقعت المانيا الهدنة سنة1918..
* خلال فترة الحرب تآمرت بريطانياعلى العرب بماعهدة ( سايكس بيكو )سنة 1916..
*خلال فترة الحرب ايضا صدر وعد ( بلفوب ) وزير خارجية بريطانيا .. والذي وعدهم فيه
بإقامة وطن قومي لهم ( لليهود ) في فلسطين..
*قسمت الدول العربية لتقع تحت نير الاستعمارين البغيضين ( البريطاني/الفرنسي)..
$ـ فلسطين/العراق/مصر/السودان/الأردن..تحت الاستعمار البريطاني..
# ـ سوريا/لبنان..تحت الاستعمار الفرنسي..
* والى جانب الدمار الكبير .. والخراب الذي لحق بالبنى التحتية للدول المتصارعة
والدائرة في فلكها.. فقد كانت هناك خسائر بشرية بلغت :
& ـ 9700000 ـ قتلى..
& ـ 22000000 ـ جرحى..
& ـ 8000000 ـ أسرى ومفقودين..
* وحيث ان الوطن العربي كان يخضع للحكم العثماني ( تركيا )..فقد قامت تركيا بتجنيد
عشرات الألوف من أبناء بلاد الشام.. وساقتهم الى الحرب للقتال في صفوفها..وع اقتراب
نهاية الحرب الملعونة.. والخسائر الفادحة التي لحقت بتركيا.. فقد عجزت عن تقديم ولو
أقل القليل من مستلزمات الحياة لهؤلاء العرب.. ولأن تركيا أحست ان العرب غدروا بها
فقد بدأت تعامل الرب بكل اصناف الظلم والقسوة والتعذيب والتجويع..واصبحت حياة هؤلاء
لا تطاق.. فما كان من الآلاف منهم إلا محاولة الهروب والفرار طلبا للعودة سالمين
الى اهلهم وديارهم..
.. المرحوم / محمود الحسين اليوسف ( أبو شريف ).. كان وادا من بين عشرات الآلاف
الذين سيقوا الى الحرب.. وكان نصيبه ( اليمن ).. وقد عاش هناك فترة طويلة الى ان
قاربت الحرب على وضع اوزارها..ولحق بهم ما لحق من الجوع والفاقة.. فقد كان كذلك من
بين الذين فروا بجلودهم طلبا للنجاة.. ففر من اليمن باتجاه فلسطين.. يسير على غير
هدى.. ومات معه كثير من الرفاق الى ان بقي يصارع من اجل البقاء ( والروح عزيزة )..
صارع الجوع والعري والخوف وقسوةالظروف الجوية من البرد والقيظ.. ومن قطاع الطرق..
زسار وحيدا.. تشيله ارض.. وتضعه أخرى..وكان بطبيعة الحال يلجا الى القبائل البدوية
ي طريقه.. فيقضي مع هذه شهرين.. ومع تلك شهرا.. أو أكثر أو أقل.. ومن ثم وكلما اشتد
عوده.. واستعاد بعضا من قوا .. ودع القبيلة التي يعيش معها.. ويتكل على الله ..
متوجها وبارشاد من تلك القبيلة الى مضارب قبيلة اخرى.. وهنا كان مكمن الخطر.. تلك
المسافة الفاصلة بين القبيلتين.. فكانوا يقولون له : القبيلة الفلانية خلف تلك
الظهور.. أي الجبال..وكلها ( مرمى العصا).. وكان مرمى العصا ذاك يأخذ معه أحيانا
'دة أيام يهيم فيها على وجهه في الصحراء .. دون زاد او ماء..وكانت تلك المعانة
شديدة.. وكم تعرض فيها للقتل على ايدي اللصوص.. وكم كان فيها قاب قوسين او ادنى من
الهلاك والموت.. ولكن الله سلمه.. لأن العمر لم يكن قد انتهى بعد..
.. وقد استغرقت رحلته تلك 14 شهرا.. وحدثت معه بعض القصص والمواقف..
..ذات ليلة من ليالي الشتاء الباردة..التي كانت ريحها
لافحة..وصقيعها غير محتمل..والذي كانت تتجمد منه الدماء في العروق..وصل
المرحوم/محمود الحسين(أبوشريف) الى احدى القرى في المنطقة الشرقية في شبه جزيرة
العرب واظن انها كانت منطقة نجد..(ولم تكن المملكة العربية السعودية قد قامت
آنذاك)..وكان وقت وصوله مع غروب الشمس.. ولم يكن يرتدي الا جلابية ممزقة لم يكن
تحتها اي لباس آخر(وكانوا يسمونها فرسيّة).. وكان المرحوم يصفها ويقول: فرسية ما
بتصر عرام ملح..اي لا يمكن ان تحفظ فيها كمية من الملح وذلك لكثرة الخروق التي
فيها(ممزقة جدا).. وبطبيعة الحال كان يقرقر من البرد..واسنانه تصطك ببعضها.. وكنا
سابقا نقول عن مثل هذه الحالة ان الواحد (تشرزان من السكعة)..كما كان يتضور جوعا
حيث امضى بضعة ايام دون ان يتناول اي طعام..ودار على جميع بيوت القرية لعل احدهم
يطعمه او يؤويه من البرد ولكن لا حياة لمن تنادي..والكل كانوا يغلقون في وجهه
الأبواب.. وهنا نود ان ننوه الى امر على جانب من الأهمية..فمن العدل ان نقول ان
امتناع الناس لم يكن كله بسبب البخل او عدم الرغبة في إيواء الضيف بل كان ذلك بسبب
خوف الناس من الأتراك..حيث كان قد صدر (فرمان سلطاني أي قانون) يحذر الناس من إيواء
الفرارات او الفراري(الهاربين من العسكرية)ويمكن شاهدتم ذلك في المسلسل السوري عن
تلك الحقبة من الزمن والذي كان يحمل اسم(اخوة التراب)..وكانوا اذا عرفوا ان هناك من
آوى احدهم يعاقبونه عقابا لم يخطر على بال احد..لذا فقد مان الناس يتجنبون ادخال
احد الى بيوتهم او حتى تقديم الطعام له.. ولما باءت كل محاولاته بالفشل.. تطلع الى
السماء وناجى الحق جل شأنه فليس له من معين ولا مجير سواه.. وساقته قدماه الى سقيفة
مهجورة ولا باب لها..فدخل اليها ليحتمي من الرياح الباردة
..وأخذ يتلمس طريقه في الظلام الدامس، فاصطدم بجدار قصير (حيطة)،يقول ان ارتفاعها
كان حوالي امتر والنصف/ ومن خلفها احس ان هناك قصل قمح او تبن، فقال في نفسه والله
خليني ادفن جسمي في هالتبنالحد الصبح ،والصباح رباح،والتبن راح يدفيه شوية احسن من
بلاش،وأخذ يبحش في التبن منشان يتغطى، وبينما كان يبحش أحس بشيء ناعم يصطدم
بيديه وكأنه صوف خاروف، ولم يخف، ومن شو بدو يخاف في مثل تلك الليلة ، وهويقول مهي
موتة موتة، وامكمل النبش،
ويا لهول مالاقاه!إمسكوا اعصابكم،لقد وجد جثة رجل كان يرتدي
فروة مبطنة بفرو الخروف، ويظهر انه كان هو الاخر قد لجأ لتلك السقيفة لنفس
السبب،ولما دفن حالو في التبن هال عليه ويظهر ما قدر يبعده عنه او انه هال عليه وهو
نائم فاسلم الروح، ماذا سيفعل ابوشريف؟ لم يهرب ولم يصرخ، بل مزط الفروة عن الزلمي،
ودحلو على جنب ودرعها(لبسها)،ودفن جزءا من جسده في التبن حتى الصباح.. وماان اشرقت
الشمس حتى قام من نومه، ودار في انحاء القرية لعل احدا يطعمه لقمة خبز ولكن دون
جدوى..فعمد الى شيء آخر.. قلنا ان المرحوم /أبو شريف كان قد وصل ليلا الى إحدى
القرى في منطقة نجد..وكلمة نجد تعني الهضبة المرتفعة.. ويسمي الجغرافيون المنطقة
المنخفضة ( الغور) مثل غور الأردن..وتقع هضبة نجد في وسط شبه الجزيرة
العربية..وكانت قديما موطنا للعديد من القبائل العربيةالكبيرة ..والتي كانت تعتمد
في حياتها على الرعي وتربيةالإبل والماشية..وترتحل من مكان الى آخر طلبا للماء
والكلأ.. وكثيرا ما كانت تنشب الحروب والغزوات بين تلك القبائل لهذه الأسباب، ولفرض
السيادة على منطقة بعينها..وقد عاش بطل قصتنا مع عدد من هذه القبائل..وبالتالي فقد
طاف مناطق كثيرة(نجد/عسير/حائل/وغيرها)وكانت تلك القبائل البدوية تتجه مرة شمالا
ومرة جنوبا او شرقا او غربا..ولهذا فلم يكن اتجاه سيره منتظما باتجاه معين..واظن
ان القرية التي ذكرناها كانت (الدمام او الخبر في المنطقة الشرقية من شبه جزيرة
العرب).
قعد صاحبنا
من النوم.. وأخذ يدور في الحارات وعلى الدور عسى ان يطعمه أحد الناس رغيف
خبز يسد به جوعه، ولكن برضو ما في نتيجة، وكانت تعز عليه نفسه، ويتذكر أهله فيبكي
على تلك الحال التي وصل اليها، وكثيرا ما كان عندما يتعب من اللف والدوارة كان يرجع
على السقيفة نفسها عشان يرتاح وعشان يكفل حالو من الريح الباردة،ولما اشتد عليه
الجوع ـ والجوع مثل ما بيقولوا كافر ـ طلع من السقيفة وفي بالو إشي بدو
يسوّيه،ويظهر إنو وهو قاعد بيلف شاف مرة (حرمة) ناشرة شوية غسيل على ظهر هالحيط،
ويظهر إنو نوى يتناوللو فرسية او ثوب ويبيعو ويشتري بثمنه إشي يوكلو، وفعلا تطلع في
ذيالو شاف ما في حدن قال والله لاحت الفرصة اللي بدي إياها، كام سحب هالفرسية وشرد
بعيد عن المطرح اللي هي منشورة فيه، كام أجى على هالمحل بيبيع خبز وأشياء للأكل،
وسأل الزلمي صاحبها إذا كان بيوخذ الفرسية وبيعطيه بدالها شوية أكل، الزلمي ماكذب
خبر وكال في عكلو مهو هاظا درويش وعلى باب الله،ابنوخذ هالفرسية(ويظهر إنها باكية
مليحة وعليها العين)،أخذهامنوواعطاه شوية اكل، بس يا فرحة
ما كملت،المرة فكدت
الفرسية، وكنها باكية شايفة الدرويش وهو يتحفتل حواليها،دبت الصوت صاروا يدورواعليه
مسكوه،وكانوا بدهم يقطعوا إيدو لولا إنو غريب.ولمن فلتوه داروا
وراه الولاد
وهم
يقولوا(النطّال النطّال يعني السرّاق)
.
الدرويش/علي/الفراري/الفرارات..ألقاب أُلصقت ببطل حكاياتنا(محمود)، أطلقها عليه
ابناء القبائل البدوية التي مرّ بها او عاش فيها فترة من الزمن ـ كانت أحيانا تستمر
ما بين شهرين ةثلاثة كما قال ـ ،في تلك الرحلة،رحلة الهروب او الفرار او
العودة،التي استغرقته14شهرا،وكثيرا ما حدثنا باللهجة المحكية حيث كان يقول:إحنا
هربنا من هناك لمّن انجسرت ترجيّا،وصاروا التراج ما يهتموا في اولاد العرب
اللي
لموهم من كل البلاد عشان يحاربوا معاهم،يا شيخ قولوا الله يجبر، والله إحنا هربنا
من الجوع ومن الكلّة(القلّة)، ما بكى الواحد منا يلاكي لكمة خبز يتبلّغ فيها،مش هيج
وبس، أي مهو اكلنا الكمل(القمل) من الوسخ،والواحد ما بكى يلاكي حفنة مي يغسل فيها
وجهه، والكمل اللي طلع علينا صار إلو ذناب!!!,وكدّيش مات من ولاد العرب ناس من
الجوع وما في حدن يهتم فيهم،الله يلعن ابو الحروب وأبو يومها،أي هو بيجي من وراها
إلا خراب البيوت والموت والدمار؟؟حتى اللي هربوا في منهم كثيرين ماتوا من الجوع
والعطش، ومن الوحوش،وفي منهم كتلوهم كطّاع (قطّاع) الطرق..
..ومثله مثل الآخرين لم يستطع الدرويش التحمل،فقرر الفرار،ومحاولة العودة الى
الوطن،وصار يمشي على غير هدى،أرض تشيلو وأرض تحطّو، لاأنيس ولا جليس إلا رب
العالمين،يملأ جوانحه ذاك الشوق والحنين الى الأهل والوطن،الى مدارج الصبا.
كل ذاك كان يقوي من عزيمته
، ويعطيه الوقود والطاقة لإكمال المشوار،يسير تلفحه
الصحراء بهجيرها صيفا،وبردها اللاسع شتاء..
وذات يوم ،
من ذات سنة، من ذات قرن، وبينما كانت الشمس في طريقها الى المغيب،وقرصها
الأحمر القاني يتدلى في البحر،وبعد ثلاثة ايام من السير الشاق والمضني،والجوع
والعطش والوحشة،وبعد ان هدّه التعب، وقاسى من العطش ما قاسى،حتى أنه لم يعد قادرا
على ان يبتلع ريقه(مثل ما بقولوا نشف ريقه او نشف حلقه)،ويسوققه حظه العاثر الى
قطعة من الأرض التي كان لا بد له من ان يمر منها،والتي كانت مفروشة بالكامل بشجيرات
من تلك التي لها اشواك كثيرة، ومن النوع الحاد والمدبب الذي يلصق بالرجل، وزيادة على
الألم والوجع، ما بتروح تلك الأشواك إلا إذا رفعت قدمك ومسحتا بيدك ، فتكون القدم
الأخرى قد غرست بأشواك جديدة ،وهكذا،وبالتالي فالمسافه فيها لا يمكن له أن يقطعها في
وقت قصير(وهذا النوع من الشوك موجود في بلادنا بكثرة ونسميه ـ الجرّيصة أو
الجرّيصية،اللي إلة روس مدببة كالإبر، وكلكم تعرفونه)،وهي مؤذية جدا خاصة عندما
تكون ناشفة، وتكثر في الصحاري لأن نباتها من النوع الذي يتحمل العطش.
وعلق الدرويش،وصار يرفع قدما ليمسحها ويحط أخرى لتعلق بالشوك من جديد وهكذا على
هالمنوال،وامضى وقتا طويلا على تلك الحال،لم يقطع فيها إلا مسافة قصيرة،وما عاد في
مجال للتراجع،وكانت الشمس قد شارفت على الغياب.
..أيقن الدرويش انه الهلاك، وان المنية قد دنت،وان الأجل قد حان،وقال في نفسه:إن
كان خلصت من مصاعب كثيرة فالمرة ما في فكاك،وهون طاب الموت،ويظهر ما في إلنا نصيب
نشوف الأهل والبلاد،وتصوروا معي انتم حالة رجل مثله في ذلك الموقف وتلك اللحظات
العصيبة!!
ما كان منه إلا أن افترش الأرض، ,اخذ يحفر بيديه حتى حفر جورةزغيرة، نزل فيها،واتجه
الى ناحية الغرب، واسند راسه على حفّة الجورة،وسبّل عينيه(اغلق الفنين)،وكانت
الدموع تسيل من تحتها بصمت،في ذلك القفر الموحش، فلمن يشكو؟ ولمن يتجه؟ ومن
يسأل؟وهو بالطبع لم يكن يستطيع الكلام، واستجمع كل ما كان قد بقي له من الحيل، وهمس
من بين شفتيه متطلعا الى السماء وقال:ياااااااا رب،وكأن ابواب السماء كانت
مفتوحة،وليس هناك من يفرج الكروب إلا الله،ويتابع الدرويش الحكاية وقد أخذ به
التأثر كل مأخذ، فنزلت دموعه وكأنه يعيش
تلك اللحظات من جديد، وأمسك بطرف حطته
الصوف السوداء ومسح بها تلك الدموع، وتابع..
والله يا جماعة الخير إنو ما في اقرب من فرج الله،فبينما
كنت على تلك الحال القريبة
من الموت، أصارع من اجل البقاء،والروح مثل ما بتعرفو عزيزة، وفي لحظة ما شفت إلا
وهالجمل بيبرخ جنبي،وفط من فوقو هالبدوي المسلسع(الضعيف البنية)، وبكى حامل في إيدو
سِعِن زغيره
(قربة صغيرة من الجلد)،حطها على جنب،وأجى وشالني من الجورة ومددني على
ظهري على الأرظ، وصرت انا اتطلع على القربة بدي اتناولها منشان اشرب، كام هو أخذ
السعن وفتحه، وما ناولني إياه، بس صار ينقط في
فمي نقطة نقطة ،ويشد على زوري منشان
يطرّيه، ولما شاف انو صار طري ومليح ناولني السعن وشربت من الحليب اللن بكى فيه
لمنّي رويت، وخلاّني شوية عبين ما صحصحت على حالي، وصار يسعل(يسأل) فيي منين جاي
ووين رايح، فحجيت لو الحجاية من طقطق لسلامو عليكم.
قام بعدين البدوي رجبني وراه على الجمل، وكال لي بدي أوخذك على كبيلتنا، إحنا
نازلين ورا هالظهور (الجبال) إللي هناك، يعني كريبين من هان، وكال إنو باكي هو في
الصيد والقنص، وشافني من بعيد لمّني علكت في هظاك المطرح وهو بيعرفو مزبوط، فميّل
علي عشان ينجدني ويخلصني من الهلاك، وهاظ من الله سبحانه وتعالى، ولأنولساتني في
إلي تالي عمر.
وصلنا الكبيلي، وكعدت عندهم حوالي شهرين زمان، رجعت لي المروه، وصحتي صارت
مليحة،والبدوي هاظ هو واحد من اولاد شيخ الكبيلي،وفي يوم حجيت للشيخ وقلت لو يا شيخ
انا بدي اكمل السفر لعند اهلي، كام كللي
اذا بدك تظل معانا اهلا وسهلا فيك، وانكانك
بدك تروح علىاهلك وديرتك الله معك، وأشّر لي على الطريق، وكال: شوف هذولاك الظهور،
في وراهن كبيلة الشيخ(فلان)، والمسافه يعني قرط العصا، فودعتهم وشكرتهم على اللي
سووا معاي، وقلت ياالله، وأخذت دربي ومشيت باتجاه الكبييلة اللي بعدهم، وعلى تيسير
المولى.
تنويه: على فكرة (قرط العصا) كانت أحيانا توخذ معاه من 2 ـ 3 أيام سيرا على
الأقدام، وفي ناس بيقولوا خبط العصا،أو مرمى الحجر.وهكذا.
يقول الدرويش ان شيخ القبيلة تلك كان اسمه /الشيخ شاهر، وكان
متقدما في السن ، عصبي المزاج،وكان يثور لأتفه الأسباب،وذات يوم تعرضت القبيلة الى
عملية غزو من إحدى القبائل، وكثيرا ما كانت القبائل تغزو بعضها، إما للسلب والنهب،
وفرض السيطرة واثبات الذات، وإما من اجل إيجاد مواطن نفوذ جديدة في مناطق يكثر فيها
الماء والكلأ، وهبت القبيلة صغارها وكبارها ، ونساءها ورجالها، يذودون عن الحمى، عن
الأرض والعرض(لأنه كثرا ما كانت القبيلة الغازية اذا تمكنت من المغزوّة تأخذ بعض
نساء القبيلة المقهورة سبايا)..وصال الفرسان وجالوا، وقتل من قتل،وجرح من جرح،وخلال
المعركة كان كبار السن من النساء والرجال،يطالعون جولات وصولات الفرسان، ودفاعهم
المستميت عن الحمى، ويدعون لفرسان قبيلتهم بالنصر على المعتدين،ودحر الغزاة، وكان
الدرويش/محمود من بين أولئك، وكان قريبا من مكان الشيخ/شاهر الذي كان بين الحين
والحين يردد: آه على ايام الشباب، ياريت تعود واقوم اقاتل الى جانب فرساننا،فما كان
من الدرويش إلا ان أخذ هو الآخر يقول على مسمع من الشيخ: آآآآآه لو يصح لي سيف
وفرس، آآآآآآه لو يسمحوا لي اروح اقاتل معاهم، ولما كان يسمعه الشيخ يقول له: إنثبر
يالدرويش، والله ما انت بفارس، ولا تقدر تركب حمار، فكيف تركب فرس؟ ويعود الدرويش
بعد قليل ليردد نفس الأسطوانة، ويثور الشيخ، ويرغي ويزبد، ويهدد ويتوعد الدرويش
بالويل والثبور وعظائم الأمور، وماان تكررت الحكاية عدة مرات حتى كان الموجودون
هناك يغرقون في الضحك من موقف الدرويش ومن رد الشيخ،وطبعا هم كانوا عارفين ان
الدرويش يعمل ذلك مجاكرة في الشيخ، وعشان يثيره ويضحك الموجودين ومثل ما بيقول
المثل( همّ بيبكّي وهمّ بيضحّك).وانتهت المعركة يومها بانتصار فرسان القبيلة، ودحر
الغزاة وردهم على اعقابهم(الهم ادحر غزاتنا،وانصرنا على من عادانا، ولكن النصر يريد
إعدادا واستعدادا،ويريد النوايا الطيبة،والتصميم على التحرير بالبندقية لا
بالـ....).
.الذي انقذ الدرويش كان ابن شيخ القبيلة، وبالتالي فقد عاش
معهم، واصبح يقوم ببعض الأعمال لهم عندما يطلبونها منه،وذات يوم أعلن في العرب ان
احد افراد القبيلة سيذبح جزورا، ويوزع لحمه على القبيلة، وطلب الى الدرويش ان يذهب
ويحضر بعض اللحم، فسار من فوره الى المكان المعلن عنه، وحضر عملية الذبح والسلخ
والتقطيع، وخلال ذلك وقبل ان يعطوه حصة الشيخ،أتعسه الحظ ومد يده وتناول قطعة صغيرة
من الشحم ووضعها في فمه نيئة، وما ان شاهده الحضور حتى وكأن مصيبة وقعت على رؤوسهم،
وصاروا يصرخون على الدرويش: يالدرويش، يالدرويش، لا بارك الله فيك، كيف تاكل اللحم
اخظر(نيء وغير مطبوخ)، تراك والله انك انت اللي يقولون ياكل الورعان(الأولاد
الصغار)،وأخذوا يتنادون بان هذا الدرويش ياكل الورعان، وصارت النساوين يولولن، وكل
واحدة راحت تركض عشان تخبي اولادها منه،وياريت الأمر انتهى لحد هان، فقد حكى
الدرويش: أنه كان يلبس فروة من جلد الخرفان ،وعليها صوف، وما كان من بعض الموجودين
إلا ان نزلوا فيه ضربا، ومعمسوه في الدم تبع الجزور،يعني صحلو كتلي يقام لها
ويقعد،وتمرمغ بالدم على كيف كيفكم، وما خلص من بين إيديهم إلا بشق الأنفس، ورجع على
الشق(بيت الشعر) يكتت في ذنيه،إيد من ورا وإيد من قدام..وما
ناله الا شماتتة الشيخ شاهر اللي صار بعد ذلك كل ما شافه يقول: هاكم إجا اللي ياكل
الورعان..عشان يضحك عليه الآخرين، وكان طبعا يذكره ويقول: فاكر وانت يوم الغزوة
تنتخي ودّك(تريد)فرس وسيف عشان ترد الغزو؟ وانت ما قدرت تحمي نفسك من اللي معملوك
ومعمسوك بالدم؟ والله ما انت من حمران العيون..وحمران العيون يعني الرجال الشجعان..
ولنا معها وقفة في حكاية أخرى ان شاء الله.
..لست ادري ما العلاقة بين احمرار
العين والشجاعة او القوة،وعندما كان بعض الناس يتسلطون على واحد ويسكت لهم مرغما،او
يتنازل عن حق له،وهم يتمادون في التسلط كنا نسمع من يقول له:"انت السبب لأنك ما
وريتهم العين الحمرة"او من كان يقول:"هؤلاءالناس إذا ما فرجيتهم العين الحمراما أظن
أنهم يرجعون عن اللي بدهم إياه"وهكذا،مما يعني ان العين الحمرة دليل على
القوة،والقدرة على التصدي لمن يريد بك السوء..
وحكايتنا اليوم تدور في هذا الفلك،ففي تلك الأيام التي فرّ فيها
بطل حكاياتنا،عمت
الفوضى واعمال السلب والنهب،وكثر قطاع الطرق،وكانت هناك عادات تهريب النقود بطرق
واساليب مختلفة منها
بلع النقود
وخاصة الذهب، وعند إتمام العملية بنجاح،هناك طرق
لإخراجها
من المعدة.
في اليمن كانوا يطلقون على سبيكة الذهب الصغيرة(مشخصية وجمعها مشاخص)،وذات يوم
والدرويش محمود
هائم على وجهه في الفلوات،وفي ارض التيه،التقى برجل يمتطي فرسا،
ويمسك بيده بسوط
(كرباج)فاستوقف الدرويش وصاح به:منين انت جاي ولوين رايح،فرد عليه
انه قادم من اليمن، وهو الآن هائم على وجهه ولا يدري اي طريق يسلك وهو متجه الى
بلاده فلسطين،فنزل الفارس عن الفرس وطلب منه ان يخرج"المشاخص" التي في بطنه،واستغرب
الدرويش هذا الطلب وقال:وإيش هي المشاخص؟انا ماأدري عن شوانت بتحجي،انا زلمي درويش
وعلى باب الله،كف عني شرك وخليني امشي في طريقي،ولكن صاحبنا ما اقتنع،وأصر على
الدرويش ان يخرج المشاخص،وصارالفارس يحسس على بطن الدرويش ويقول له:والله مبين عليك
معبي بطنك زين من المشاخص، يالله يخوك روح ورا ذيك العلوة وطلع اللي في بطنك،وان
ماطعتني تراني اشق بطنك بهالسيف واطلعهم انا بيدي،وأصر كل منهماعلى موقف:الفارس
بدوالمشاخص والدرويش ينكر،وما في اقرب من فرج الله،وإذا برجل بدوي يمر بالصدفة من
المكان، ويقف على فحوى القصة،وبدأ هو الآخر يحاول مع الدرويش، عسى ان يناله جزء من
الذهب،ولكنه لم ياخذ مع الدرويش لا حق ولا باطل،ورغم التهديد بالقتل إلا أن الدرويش
اصرعلى موقفه ونفيه لوجود
اي شيء معاه،واختلى الفارس بالبدوي وتشاورا فيما
بينهما،ويظهر ان البدوي اقنع الفارس ان الرجال مامعه شيء،ولا هو ممن يهربون الذهب
في بطونهم،والأحسن ان يتركاه لحال سبيله.
اقترب الرجلان من الدرويش فقال له الفارس:نصيبك زين ان الله يسر لك بهالرجال الزين
اللي ترجاني عشان افك شري عنك،وانكتب لك طولة عمر،سير في دربك،وقال الثاني موجها
كلامه للفارس: سيبك منه ياخوك،والله انومبين عليه من الضعوف(المساكين)وما هو
من(حمران العيون)تراه من اللي يكون ماشي هو وخويّو،وغذا لاقاهم الذيب يؤشر على
رفيقه ويقول للذيب(كلويابو
السرحان ولا يخالف)يعني يطعم رفيقه وصاحبه للذيب في سبييل
هو يخلص حاله.أي ان مثل الدرويش ما بينشد فيهم الظهر،وينطبق عليهم المثل اللي
بيقول:"أللهمّ أسألك نفسي"و"أنا ومن بعدي الطوفان".
خلال تجواله العشوائي،ومسيرته في الفيافي مع العديد من القبائل البدوية في شبه
الجزيرة العربية،وصل ذات يوم من ذات عام،الى إحدى القرى الصغيرة،وكان كما قلنا يدور
ويلف حتى يدوخ لعل أحدا يؤويه أو يطعمه أو يسقيه ولكن دون جدوى.
وبينما كان يلف في زقايق تلك القرية مر بامرأة تخبز في احد الطوابين، وجلس على
الباب يستعطفها لعلها تجود عليه برغيف من الخبز،ولكنها لم تصغ له ولم يرق
قلبها،وكلما الح عليها كانت تقوم وتلاحقه بمقحار الطبون،فأضمر في نفسه شيئا،وانتوى
ان يفعل شيئا يكوي قلبها به.
وكان قد سمعها تحكي مع حرمة اخرى عن ان زوجها قد احضر كرشة خاروف ،مع الرأس
والأطراف،وانها قد نظفتها،وحشتها بالجريشة،وسوف تقوم بطبخها بعد ان تنهي زيارة امها
المريضة، وكمن لها في مكان قريب يراقبها،ولما انتهت من عملية الخبيز،حملت الخبزات
وعادت بهن الى البيت،وما لبثت أن خرجت وسكرت الباب بالمفتاح، ودست المفتاح في احد
الشقوق .
وما ان ابنعدت عن المكان،حتى تسلل الدرويش الجوعان(والجوع كافر)الى البيت،وتناول
المفتاح وفتح الباب ودلف الى الداخل،وتناول عددا من الأرغفة السخنة،ولم ينس ان يأخذ
معه الفوارغ والكرشات المحشية(غير المطبوخة)،واغلق الباب وراءه ،ومن ثم غادر القرية
الى جهة غير معلومة.وما ان وصل الى ناحية احس عندها انه اصبح في مأمن،حتى تناول
جزءا من الخبز الذي اخذه ،واحس عندها انه قد استرد بعض قواه ،وجلس في ظل شجرة هناك
ليأخذ قسطا من الراحة،وأخذ له تعسيلة(غفوة)، ثم قام ومعه باقي الخبزات والكرشات،
وسار في طريقه على غير هدى،وما هي إلا بضع ساعات ،وإذا به يصل الى مضارب احدى
القبائل البدوية،وتوجه الى أحد بيوت الشعر الصغيرة في اطراف القبيلة،وكان يخص عجوزا
أرملة من العرب.
ميل الدرويش على البيت،وكانت العجوز هناك،طرح عليها السلام،وحكى لها باختصار عن
حاله،وانه سيبقى في العرب بعض الوقت، فسمحت له بالدخول والجلوس في البيت، وبعد سين
وجيم،ومنين جاي ولوين رايح،قالت له انت ضيفي ، فقال لها والله معاي كذا
وكذا(الكرشات)،فقالت له: هاتهن عشان انضجهن (اطبخهن) لك،وقامت وحطتهن في طنجرة
فخار(لفدة)وحطتها على النار،وبعد فترة من الزمن ،وحسب اعتقادها انهن استوين، صارت
العجوز تقول للدرويش: قم طلع(إطلع) شوف الخيل،شوف الفرسان يلعبون بالسيوف،قم
شوف..قم طلع،والدرويش متحت لها ،مبلط بالأربعة ومش رادد عليها،لأنه عرف شو
قصدها،بدها بنت الحلاال تبعده عن البيت عشان تخنصر عدد من الكرشات،وحاولت معه اكثر
من مرة ولكن بدون جدوى.
يئست العجوز من الدرويش،وشافت ما في فايدة فيه،فقالت لا حول ولا قوة إلا
بالله،ونزلت الكرشات عن النار،وطلعتهن من الطنجرة،وصارت تقسم على مزاجها، تحط
الكرشة الكبيرة تحت ركبتها،وتناول الصغيرة للدرويش،وحاول ان يثنيها عما تقوم به،وان
تقسم بالعدل ولكنها لم تسمع لكلامه،فما كان من الدرويش إلا ان دفشها،ومد يديه
وتناول كل الكرشات التي اخذتها،فصارت تحاول ان تاخذها منه بالقوة ولكنه دفعها بعيدا
عنه،فاخذت تصيح وتقول: يا العرب، يا اهل النخوة، هذا الدرويش نضجت له اللحم وهو
ضحك علي وما رايد يديني شقاي(يعطيني نصيبي بدل تعبي) ولما التم البدو حواليه وسألوه
ليش ما بدو يديها شقاها،شرح لهم الأمر،وبين لهم انه تعب فيها،وأن العجوز بدها تضحك
عليه،حتى تفهموا حكايته،خاصة وان بعضهم كان يعرف عنها بعض الحكايات المشابهة،وطمعها
في الحصول على الكثير من حاجات الناس،وطلبوا منه ان يعطيها عددا من القطع بدل تعبها
وطبخها الكرشات،واعطاها جزءا منها،واحتفظ بالباقي لنفسه.
وكما كان يحصل معه سابقا،فقد بقي مع تلك القبيلة فترة من الزمن،ثم ودعهم وارتحل
عنهم الى المجهول من جديد،متكلا على الله،والشوق يحدوه الى ربوع بلاده،والى اهله
وذويه.
الدرويش/الفراري/الهارب من اليمن/العائد بكل الشوق والحنين الى اهله وذويه، الى
قريته الصغيرة الوادعة،بعد غياب طال لسنوات، وبعد ان امضه الجوع،وعضه بنابه،إنه
(محمود الحسين اليوسف ـ رحمه الله)..قال :
وصلت الى تلك القرية، وكنت في حالة مزرية،رث الثياب ممزقها،طويل الشعر،شعر الرأس
واللحية،فقد أمضى ردحا طويلا من الزمن لم يحلق أيا منهما،وبالتالي فقد كان منظره
اشبه بإنسان المغاور والكهوف،الإنسان القديم،او قريبا من انسان اهل الكهف.
وبينما كان يتجول في حارات تلك القرية،جائعا خاوي الوفاض، لمح رجلا عجوزا يجلس على
زاوية احد الأزقة في تلك القرية،وبجانبه صندوقين من الخشب،او ما يسمى بالصحّارة
(كما يسمونها)، كما شاهد حمارا مربوطا ايضا قريبا منه،فعرف انه بائع متجول،ولكن لم
يكن يعرف ماذا يبيع،ولا ما هي البضاعة التي يسوّ قها.
اقترب الدرويش من البياع والقى عليه السلام،وما ان اجاب البياع حتى عرف من لهجته
بانه(نابلسي)، ونحن كلنا نعرف تلك اللهجة التي يتحدث بها اهل نابلس،وسأل الدرويش
البائع عن البضاعة التي معه فقال:إنها "حلاوه قرعية"،والحلاوة القرعية اشتهر اهل
نابلس بصناعتها،وهي تصنع من قطع القرع الأصفر الصغيرة،التي تغلى بمحلول السكر الى
الحد الذي يصبح فيه المخلوط لزجا،وعلى رأي الصناعيين "غليظا "ويكون لاصقا في اليد
عند ملامسته،وكان الباعة من نابلس يصنعونه ويدورون به على القرى، يبيعونه
بالنقود،أو يستبدلونه بالقمح او الذرة البيضاء(أيام ما كان هناك ذرة بيضاء التي
كانت تعمل منها الكراديش مع زنابيط البصل أو بدونها) أو بالشعير، وما زال اهل نابلس
يصنعونها في منازلهم حتى اليوم،وياكلونها مع نوع من الخبز الذي يعدونه بقليه مع
الزيت.
سال الدرويش البائع عن السعر فاجابه البائع ان الرطل بكذا.. فما كان من الدرويش
الجائع إلا ان تناول حجرا كبيرا من السنسلة القريبة منه،وناوله للبائع قائلا
وباللهجة البدوية: حطّ ليّ ثقل هذا الحجر،وبالرغم من دهشة واستغراب البياع،إلا أنه
استجاب له،ووزن له ثقله وناوله إياه.
أخذ صاحبنا الحلاوة،وجلس على جنب البياع،واخذ ياكل الحلاوة،وكان البياع المسكين
ينتظر بلهفة عل الدرويش
يعطيه ثمن الحلاوة،رغم انه لم يكن متاكدا من ذلك،وقد كان شك البياع في محله،فما ان
شبع الدرويش ،وتناول كمية من الحلاوة،حتى قام واقترب من البياع وهو يلحس اصابعه،ولف
ما بقي من الحلاوة في الورقة،والقى بها في الصحارة وقال: خلف الله على
المعازيب،وسار في حال سبيله،بين دهشة الحضرين،ورجاء البياع والحاحه ان ينقده ثمن
الحلاوة،ولكن الدرويش مشى دون ان يجيب،(اذن من طين واذن من عجين)وراحت البيعة على
اخونا النابلسي،الذي اخذ يندب حظه العاثر.
ومن ثم وصل الدرويش محمود الحسن الفار من اليمن بعد ان كان
يحارب مع الاتراك الى إحدى القرى القريبة من نابلس،وبقال لها "عراق بورين"
فقد وصل اليها الدرويش /محمود ،وكان في حالة يرثى لها،فهو يرتدي فرسية (ثوبا)
ممزقة،وكما يقولون ـ لا تصر عرام ملح ــ كما انه بالية ومتسخة بسبب السير
الطويل،والعرق وعدم وجود غبرها ليبدل بها، كما أن شعره كان طويلا جدا، يسترسل على
كتفيه،وبطبيعة الحال لم يكن معه ما يمشطه او يسوسه به،يعني كان تارك شعره على حل
شعره ،وخلال تجواله في القرية ، ولأنه اقترب على ما يبدو من قريته،فقد فكر ان يحلق
هذا الشعر الأشعث،الذي كان اشبه بشعر البدو الذين يقضون فتة طويلة في الصحراء
،وخلال تجواله في ازقة القرية شاهد دكانة حلاقة،ولكنها مانت في الطابق الثاني من
احد المنازل ، يعني كان هناك عدة درجات يجب ان تصعدها حتى تصل الى الصالون(على آخر
طراز) .
وصل الدرويش الى الدكان،طبعا كان عبارة عن كرسي من القش، ومنضدة اكل عليها الدهر
وشرب،وعدة الحلاقة عبارة عن موسى (موس بس بيدلعوه ) نصابه مصدي،ونصلته مثلمة،وكان
هناك قطعتا قماش باهتتا اللون معلقتان عى مسمار طويل مدقوق في الحيط
،يقول الحلاق انهما فوطتان،وطاسة المنيوم (توتية) فيها فرشاية لها اكم شعرة
مقطعات(إشي قصير وإشي طويل) ومقص مثل مقصات الغنم.
القى الدرويش التحية،وجلس صامتا لا ينبس ببنت شفة،وكان بين ايدين الحلاق زبونا آخر
حاول ان ينتهي منه بسرعة،لأنه ظن ان الدرويش صيدة ولاحت، وفعلا ما ان قام الزبون
حتى اشار الحلاق للدرويش مرحبا: تفضل يا اخا العرب.
وتفضل اخو العرب،وجلس على الكرسي،وتناول الحلاق احلى
قطعتي القماش المعلقتين على المسمار(الفوطة)ونفضها بيديه عدة مرات ليزيل ما قد يكون
علق بها من شعور الزباين سابقا،ولفهاعلى رقبة الدرويش،وحاول ان يوهمه بانه طال مقصا
وموسى جديدة،حتى المصبنة غسلها جيدا بالماء،واخذ يطقطق
بالقص بين يديه،ثم اخذ يجز في صوفات(عفوا شعرات) الدرويش،ومن ثم تمليسه بنتفة زيت
زيتزن،وعندما وصل دور اللحية،تناول الموسى وفتحها،ثم عمد الى قطعة من الجلد معلقة
على الحائط،وبصق عليها،ثم اخذ يسن الموسى(يمظيه ــ اي يشحذه بالعربية الفصحى ــ
وحلق لحية الدرويش،ولما انتهى طال قزازة (يقال انها كلونيا)وحط منها شوية على
ايده،وفركها باليد الأخرى،ودعك بهما لحية الدرويش،وطبطب على خديه مثل اللي الله
معطيعم،ومن ثم شال الفوطة،وكتكت بها صدر وظهر الدرويش ( فكر انو لهطة وهسا راح
يناوله مبلغ وقدره،ولم يدر بخلده انه مكتت ما معه ولا نكلة،والنكلة يا قرايبي هي
قطعة نقد عصملية لا تساوي شيء)ولما انتها قال للدرويش: نعيما
ياعم!!
قام الدرويش عن الكرسي،وكتت فرسيته
بيديه،واجاب الحلاق:الله ينعم عليك،ويرحم والدينا ووالديك،واضاف وهو ينصرف من
الدكان: السلام عليكم ورحمة الله ، يخلف عليكم ،كثر الله خيركم وهمّ بالمغادرة، بين
ذهول الحلاق، ونظرات الاستهجان من الزبون السابق،الذي على ما يبدو كان متشفيا
بالحلاق لأنه استعجل في حلاقتو وما حلق له مزبوط منشان يكسب الدرويش.
أمسك الحلاق بكتف الدرويش متسائلا:وين رايح؟ فرد عليه الدرويش:والله مروح على بلدنا
،ودارت الأسئلة والأجوبة بين الحلاق والدرويش،ابدى فيها الدرويش استغرابه من تصرفات
الحلاق اللي قل حياءه وبيطالب فيه بالأجرة،ويقول:ولو يا زلمي،شو ما عندكم نخوة في
هاالبلد،ولا عندكم إكرام للضيوف؟وشلت إيده من الحلاق ،وتشرتشع على الدرجات والحلاق
يكاد ينفجر من القهر والغيظ،وصار يصرخ ويصوت،والتموا الناس هناك يسالونه ما الأمر؟
فكان يشرح لهم الموقف وهو يكاد ينسطح من القهر،وأخذ يتهدد الدرويش بان يقذف عليه
الكرسي،وصار يتفلّت بدو يلحقو عشان يضربه،او يعطيه اجرته.
ولم يكتف الدرويش بذلك ، بل اخذ بعد ان ابتعد عن مرمى الصواريخ، يصفّر للحلاق
،ويعمل له حركات غريبة بيديه ،يعني صار يجاكر فيه ، واخذ الحضور يحولون تهدأة
الحلاق،فكان يقول لهم: ولكم هو لو قللي ما معاه مصاري تشان حلكتلو بالموس
العتيك،وما حطيت لو الفوطة الجديدة ، واستمرت المناورة بعض الوقت،غادر بعدها
الدرويش المكان والقرية كلها في طريقه الى القرية على بركةالله.
بعد مسيرة طويلة، استمرت 14 شهرا،ورحلة عذاب طويلة،قاسى فيها ما قاسى،وعانى ما
عانى،وتعرض للموت مرات عديدة،وقضى ليالي واياما بالجوع والعطش،والخوف
والرجاء،والدعاء الى الله ان يكتب له النجاة،وان يكون معه في رحلته،وان يعينه على
الصبر وتحمل المشاق،املا في الوصول الى الأهل،وان تكتحل عيناه مرة أخرى بثرى وطنه
وقريته،وصل المرحوم/محمود الحسين اليوسف الى الديار،والله وحده يعلم كم كانت فرحته
عندما أهلّ على تلك الربى،وداس بقدميه العاريتين على ذلك الثرى الطهور.
لم يذهب الى البيت،ولم يتوجه الى الدار،ولكنه أحب ان يتنسم عبير الزهور في ذلك
الفصل من السنة،حيث تزامن وصوله مع إطلالة فصل الربع،والزهور المختلفة الألوان
والأشكال والروائح كانت تغطي السهول والجبال والوهاد،والأرض تكتسي بذلك الثوب
الأخضر البديع،فأصبحت وكأنها حسناء لا أبهى ولا أجمل، وكان الأهل رجالا ونساء غادين
رائحين الى الحقول،هذا ليزرع،وذلك ليقلع،وتلك تحمل في يدها تلك القطعة الحديدية
التي يسمونها"العشّابة" ذاهبة الى حقلها من اجل التعشيب،وتنظيف ما بين سنابل القمح
من اعشاب ضارة.
وكما روى لنا ـ رحمه الله ــ قال: وصلت الى ضواي القرية،وظننت انني ان وصلت الى
الدار هكذا وعلى غير موعد ان يصاب الأهل بالصدمة،لأنهم كانوا قاطعين الأمل بعودتي،
فأحببت ان ادور قليلا حول القرية ،لأتدبر كيفية نقل الخبر اليهم ،وقادتني قدماي الى
ظهر العرنين،ومن هناك شاهدت بعض النساء يعشبن في الصفحة، فقلت في نفسي لأذهب على
مقربة منهم،وأعرفهم بنفسي،وهم سيقومون بنقل الخبر ،لعل الوقع يكون خفيفا،وفعلا نزل
الى مكان قرب الخروبات في حريقة المرحوم ابو ربحي،وكان هناك شخص يرعى بعض
الأبقار،وكان صغيرا،وما ان شاهده حتى خاف من منظره ،فركض واخبر العشّابات،ويبدو انه
اعطى بعض الأوصاف،والتي كانت كافية لتعرف المرحومة عمتي الحاجة وردة ــ التي كانت
هناك ــ ان هذا ربما يكون أخوها /محمود/ وفعلا وكما يقال :قلب المؤمن دليله،فقد كان
ذلك الرجل هو اخوها /محمود/ فعلا،وما ان اقتربت منه، حتى تحركت المشاعر،وهاجت
العواطف، وعلت زغاريد الفرح ،وجرت الدموع على الوجنات،وتعانق الإثنان عناقا
طويلا،هرعت النساء اللواتي كن هناك على اثره الى المكان،وعلت كذلك زغاريدهن
المختلطة بالدموع،دموع الفرح بالعائد الذي لم يكن يدور بخلدهم انه سيعود ذات يوم،
بعد تلك القصص التي كانت تروى عن الآلاف من الفرارات الذين قضوا نحبهم في طريق
العودة،والذين قضوا جوعا او عطشا او قتلا أو بواسطة الوحوش والضواري.
وسار موكب الفرح من الصفحة،الى القرية والزغايد واغاني الفرح ،تتردد في
الوادي،والتي تناقلتها الريح الى الأهل ،فهب الناس الى مصدر الصوت،وتجمعوا على طرف
البيدر الشامي،وأهل الموكب،موكب العشّابات العائدات مبكرات وفي غبر موعدهن، والذي
اثار دهشة واستغراب الأهل،كما استغربوا السبب وراء تلك الزغاريد، وانجلى
الغبار،وظهرت / وردة / متفتحة كاجمل وردة ،تتأبط ذراع أخيها العائد من المجهول،ولفى
الموكب على بيت المرحوم / حسين اليوسف / والذي كان قريبا من دار المرحوم/ الحاج
يوسف الشري، وتسارع الأهل الى هناك مباركين ومهنئين بعودة الدرويش/ الفراري / كما
أمت القرية في الأيام التالية الى القرية ليهنئوا بسلامة العودة،ويا لها من فرحة ما
بعدها فرحة.
وأمضى الدرويش فترة من الزمن،بين الأهل والأحباب، وأظن انه قد تزوج من زوجته الأولى
المرحومة/ شيخة حسن الشري (أم شريف) أخت المرحومين/ الحاج عبدالرحمن
الشري(أبوأحمد)والحاج يوسف الشري (أبو العبد)..ولكن الفرحة لم تكتمل..لأن الأتراك
كانوا يدورون على الفرارات ،يمسكون بهم ويعيدونهم الى ساحات القتال، وقد تم إلقاء
القبض على الدرويش،بينما كان يحرث في اللشلون،وأعيد مرة أخرى الى البلد التي فرّ
منها، الى اليمن،وتبخرت تلك المنى والرغبات من الفكر،وقال في نفسه:لقد سلمني الله
هذه المرة،ولست ادري إن كانت ستكتب لي العودة مرة اخرى الى الديار، وسوف نقص عليكم
احداث رحلته الثانية ان شاء الله،ونرجو ان نكون قد وفقنا في سرد احداث الرحلة
الأولى،كما نرجو ان تكون قد اعجبتكم،
" الحجة خضــــــــــــــــرة
"
زمان لما كنا زغار كانت تيجي عنا عالاردن ختياره من صير اسمها " الحجه خضرة " رحمة
الله عليها ، كنت احب اروح اشوفها واتملى منها مع العلم اني كنت صغير لسا ، بتعرفوا
ليش ؟ كانت "الحجه خضرة" مثل الوردة المفتحه ، مثل الملاك ، كان وجهها يشع نور
وحكياتها مثل العسل حتى لبسها التقليدي كان اجمل من كل موديلات هالايام وكان دايما
ابيض مثل صفاوة قلبها ، كانت " الحجه خضرة " لما تضحك يحمر وجهها واحس العالم كله
بضحك ، هذي الختياره وحده من ختياريات بلادنا الاصيلات ، قلب " الحجه خضره " كان
اخضر مثل اسمها ولون بلادنا ، وكان وسيع وسع هالفضا ، " الحجه خضرة " كانت دايما
تسأل ابن مين انت يا ستي ؟ وكانت كلمة الصلاة على النبي على لسانها ، كانت تنادي
علينا وتبوسنا وتسألنا : تشيف ابوك وامك يا ستي وتشيف اخوتك انشالله ملاح ؟ وكانت
تسأل عن عمامي وولادهم ووين صاروا ، "الحجه خضرة" مثل زيتونة بلادي شو ما بتعمر
بتظل تعطي وكل ما تكبر كل ما بزيد جودها ، " الحجه خضرة" كانت تحب الكل ، وتزور
الكل بالرغم من كبر سنها ، كانت تظلها توصي : خليكم يا خالتي مع بعض " احنا كلنا في
الاردن كنا اناديها خالتي خضره لان ابوتنا كانوا ينادوها هيك ، على فكرة "الحجه
خضره" ما ماتت ، "الحجه خضره" ساكنه في ضمايرنا ، بتحاسبنا ع كل غلطة ، بتراقب
هفواتنا ، وبتحاول اتصلح ، ويا ريت يا خالتي خضره تعرفي تشيلي نتفة هالغبره الي
مغبشه ع قلوبنا .
"المطــــــــــــــر"
ياربنا يا ربنا تجيب المطر على بلادنا هم الكبار الا اذنبوا واحنا الصغار ايش ذنبنا
. أمطري وزيدي بيتنا حديدي عمنا عبد الله كسرلينا الجره يكسر وما يسقينا والرب
يعطينا . والديك كعك بالليل بو مطر بدو سيل ...........
كنا نغني ونحن اطفا ل في الليل . يوم .. يومين ... ويستجيب رب العالمين ويباغتنا
المطر الذي ننتظره بفارغ الصبر لان المطر ياتي محملا بالفرح والهدايا ، والتي تاتي
هكذا بدون وعد ولا مواعيد ، هكذا هي التباشير التي تطرق الابواب بلا استئذان ،
كصديق يخبئ لنا ا لفرحه والضحكه التي تحتبس في الصدر . جاءنا المطر ليغسل عطش
القرية ويغسل النفس التواقة للطهر والنقاء لما علق بها من وجع الحياة وتداعي امورها
التي تثقل الروح وتجعل شتى الاشياء معلقه واحلى التفاصيل مؤجله لرحلة يكون فيها ماء
المطر سيد الحضور
وتدركون ما يصنع المطر تحس ان الحياة والارض ريانه كغصن عود طال شوقه وانتظر ،
كلوزة في الحنانه وتحت العراق غازلتها السحب دون نفة مطر، كعاشقين حملوا الطيور
تباريح الوجد دون ان تحل على فنن شجر ، كانت تاخذها الريح والمسافات وغبش ندى الفجر
، متناسية ان تحت اجنحتها حروفا من حب وذهب وعتب،
الماء الرباني. ساقي الارض ومغني الحياة ، وحده القادر ان يجرجر سنوات العمر نحو
المعاصر والوديان التي كان يشكلها في المكان العزيز وفي الذاكرة المتوثبة دوما .
عندما يجر الواد ويسير في مشاغباته حيث يشتهي من الامكنه وحيث تخط حروفه على صفحة
اليابسه ، الشعاب التي تسلك طريقها تسبق طبيل الوديان وهديرها المندفع من جرف
الجبال وصخرها الصوان ،( تقول امي اطال الله في عمرها ماء وانهمر جر الواد وجر
العجوز وغنماتها ) يفرح الانسان والارض والشجر ، ينعش الحياة ويوقظ غنائية الرعي من
خلدها ، تذهب الحياة نحو بريتها الاولى ، وطفولة الاشياء ، يتنفس الانسان عطور
النماء ، وظليل الماء ، يلايحق عصافير الروح المختبئة بين الارض والسماء ، هكذا
يفعل المطر حين يفاجئ الجميع
يهطل المطر وتمنعناامي من الخروج خوفا منها على صحتنا .. اتذكر بيتنا نافذة حديديه
وظرفة خشب متشقق وأنا خلفها ، ونظرة مواربة لشقاوة العمر الصغير ، تعبق بمسك اهل
الدار والجيرا ن والخلان ، اتذكر صديقاتي واتلصص عليهن ان كن سبقنني للخروج ( والله
اقول : اشتاق اليكن كما تشتاق الارض العطشانه الى الماء ) أمل وايمان وحلوه ونهله
وفخوره وعفيفه وجميله وفوزيه ونوال واستقلال بثيابهن المزركشة التي تشبه السهل في
ايام الربيع ، ووردةخدودهن المزهرة بمسحة شمس خجلى تعن عليك التماعة ا لخضرة في
جدائل غصن اللوز المزهر. رائحة الارتواء .. الطرق لون الثرى النائم ، وتقطع صوت
المزاريب ، كأنها نطة الصبية الحافية في غمرة نضجها ، تضاريس الثوب المزركش المبتل
حين يناغي جسدها سكون الاشياء حفاوة بالمطر ...
اتذكر الرجال والنساء وهم يصلحون اسطح منازل الطين واسطح
الطوابين والاخمام مساكن الطيور وهم يفزعون للجار وللعجوز ، يحملون العصي والمعاريض
يسلكون بها طرقا بعيدة عن الدور وحظائر البهائم يجعلونها ترعي اماكن وسيوحا . كانت
في عز شوق لقطرة مطر . اتذكر تلك الهدايا التي يجلبها المطر وكانت كلها عزيزة على
قلبي وتحت ضرسي لها طعم اخر ( أللوف على طريقة امي اما الزعمطوط وورق اللسان فله
مذاق اخر كجمال جارات امي اما المفتول فكان غاية في الجمال والتصنيع وكان يتم على
يدي خالتي الحبيبه ام جمال ، تراني الف حولها انتظر طلبا منها كي البيه واتمنى
الخلاص بفارغ الصبر ، اما الخبيزه وما ادراك ما الخبيزه لها مذاق شهي اخر كمذاق
رحلة البحث عنها مع رفيقات العمر في عز ظهر الشمس الدافئه ،
يا لمساء قريتنا الجميل ولسكون ليلها الماطر ولغنائية الماء التي طرقت قلوب الصغار
الذين كبروا على عجل وايقظهم من هرولة العمر، كان المطر بالامس قادرا ان يحلق بكل
الاشياء الساكنه والعاطله نحو فضاء من السعة والرحابه وان يحضر احلام الاطفال في
ذلك الزمن الجميل البرئ ، من مكانهم البعيد من القريةالجميله التي تنتظر المطر من
عام الى عام اغنية السيل والمطر .
"سر
الحياه الزوجيه لدى الاجداد"
هكذا قالت لي جدتي رحمها الله
سر السعاده في عقل المرأه
اختلف الكثيرون حول الوسائل المؤدية للسعادة الزوجيه ، بداية بجمال المرأة
واهتمامها بنفسها ومظهرها وصولا الى الذكاء والتعليم ، قد يكون لذلك تأثير لكنه ليس
السبب الاساسي في السعادة الزوجية .
وهنا اذكر ماقالته لي جدتي وهي سيدة حكيمه يحبها جدي حبا كثيرا ... كثيرا حتى انه
لا يستطيع مفارقتها ، وكلما تقدما في السن ازداد حبهما وسعادتهما وعندما سالت جدتي
عن سر حب جدي لها ، وعن سر سعادتها الدائمه .
ان كانت المهارة في اعداد الطعام ؟ أم الجمال ؟ ام انجاب الاولاد ؟ ام غير ذلك .
قالت جدتي : اسمعي يا ابنتي ان المرأة تستطيع ان تجعل بيتها جنه وارفة الظلال أو
جهنم مستعرة النيران .
لاتقولي المال فكثير من النساء الغنيات تعيسات وهرب منهن أزواجهن ، ولا ألاولاد
ياجدتي؟ ولا ألاولاد فهناك من انجبن عشر صبيان زوجها يهينها ولا يحبها او ممكن
يطلقها ..... الرجال يحبون الطبخ يا جدتي؟ الكثير من النساء ماهرات في الطبخ ومع
ذلك تشكو سوء معاملة زوجها وقلة احترامه لها .
قلت في نفسي ساكسب قلب زوجي في المستقبل كما كسبت جدتي قلب جدي وتربعت عليه .. اذا
بالله عليك ماهو السر ؟
قالت : عندما يغضب ويثور جدك وقد يكون عصبيا كنت الجأ الى الصمت المطبق بكل احترام
. لكن اسمعي يا ابنتي : اياك ثم اياك الصمت المصاحب لنظرة سخريه ولو بالعين لأن
الرجل ذكي ويفهمها.
لاتخرجي من الغرفه وتتركيه لوحده ، لااخفي عليكم بكل استغراب قلت : لا تخرجي من
الغرفة ياجدتي الله أكبر ؟ قالت اياك .. قد يظن انك تهربين منه ولا تريدين سماعه ،
عليك بالصمت وموافقته على ما يقول حتى يهدأ ثم بعد ذلك .. وبكل احترام اقول له هل
انتهيت ثم اخرج ... لانه سيتعب وبحاجه للراحه بعد الكلام والصراخ . أخرج وأكمل شغل
البيت والاولاد ويظل بمفرده وقد انهكته الحرب التي شنها علي .
بعد كل هذا ماذا تفعلين يا جدتي ؟ هل تلجئين الى اسلوب المقاطعه فلا تكلمينه لمدة
يوم او يومين
استغفر الله العظيم يا ابنتي اياك وهذه
العادة السيئة فهي سلاح ذو حدين ، عندما تقاطعين زوجك اسبوع قد يكون ذلك صعبا عليه
في البداية .. ولكن مع الايام يا ابنتي سوف يتعود على ذلك وان قاطعتيه اسبوعا قاطعك
اسبوعين .قالت وابتسامتها تدل على ذكائها .. عوديه على انك الهواء الذي يستنشقه
والماء الذي يشربه ولا يستغني عنه .
اذآ ماذا تفعلين بعد ذلك يا جدتي ؟
بعد ساعه او ساعتين اصنع له كوبا من العصير أو فنجان القهوه وأدخل عليه بلطف واقول
تفضل اشرب بالهنا
والشفا .. لأنه فعلا محتاج اليه وأكلمه بشكل عادي ..
فيصر جدك على سؤالي هل أنت زعلانه .. غاضبه ؟ فأقول له لا ! فيبدأ بالاعتذار عن
كلامه القاسي ويسمعني الكلام الجميل ( يعني بيني وبينكم جدي بيتغزل بجدتي)
وهل تصدقين اعتذاره وكلامه الجميل بعد كل هذا ؟
وترد بكل ثقه .. طبعا يا ابنتي لأني أثق بنفسي .. هل أصدق كلامه وهو غاضب وأكذبه
وهو هادئ؟؟؟ !!!!
ان الاسلام لا يقر طلاق الغاضب .. وهو طلاق .. فكيف ما حصل معي أنا ؟
وباختصار ومما سبق يمكن ان أقول ان سر السعادة الزوجية عقل المرأة ومربط تلك
السعاده لسانها .
|